ختام أحداث سنة ثلاثين ومائتين والف

شاطر

دليل
Admin

المساهمات : 1123
تاريخ التسجيل : 24/02/2014

ختام أحداث سنة ثلاثين ومائتين والف

مُساهمة من طرف دليل في الثلاثاء 26 يونيو 2018 - 14:21


بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة التاريخ
عجائب الآثار
الجزء الأول

{ الفصل الثاني }
في ذكر حوادث مصر وولاتها واعيانها ووفيات
من طاعون 1228 وحتى ختام الجزء الأول
{ أحداث شهر رمضان سنة 1230 }

واستهل شهر رمضان بيوم الاثنين والناس في امر مريج وتخوف شديد وملازمون للسهر على الكرانك ويتحاشون المشي والذهاب والمجىء وكل اهل خطة ملازم لخطته وحارته وكل وقت يذكرون وينقلون بينهم روايات وحكايات ووقائع مزعجات وتطاولت ايدي العساكر بالتعدي والاذية والفتك والقتل لمن ينفردون به من الرعية
وفي ثاني ليلة طلع السيد محمد المحروقي وطلع صحبته الشيخ محمد الدواخلي نقيب الاشراف وابن الشيخ العروسي وابن الصاوى المتعينون في مشيخة الوقت وصحبتهم شيخ الغورية وطائفته قد ابتدؤا بهم في املاء ما نهب لهم من حوانيتهم بعدما حرروها عند السيد محمد المحروقي وتحليفهم بعد الاملاء على صدق داعواهم وبعد التحليف والمحاققة ويتجاوز عن بعضه لحضرة الباشا ثم يثبتون له الباقي فاستقر لاهل الغورية خاصة مائة وثمانون كيسا فدفع لهم ثلثيها واخر لهم الثلث وهو ستون كيسا يستوفونها فيما بعد اما من عروضهم أن ظهر لهم منها شىء او من الخزينة ولازم الجماعة الطلوع والنزول في كل ليلة لتحرير بواقي المنهوبات وايضا استقر لاهل خان الحمزاوي نحو من ثلاثة آلاف كيس كذلك ولطائفة السكرية نحو من سبعين كيسا خصمت لهم من ثمن السكر الذي يبتاعونه من الباشا واستمر الباشا بالقلعة يدير اموره ويجب قلوب الناس من الرعية واكابر دولته بما يفعله من بذل المال ورد المنهوبات حتى ترك الناس يسخطون على العسكر ويترضون عنه ولو لم يفعل ذلك وسارت العساكر هذه الثور ولم يقع منهم نهب ولا تعد لساعدتهم الرعية واجتمعت عليهم اهالي القرى وارباب الاقطاعات لشدة نكايتهم من الباشا بضبط الرزق والالتزامات وقياس الاراضي وقطع المعايش وذلك من سوء تدبير العسكر وسعادة الباشا وحسن سياسته باستجلايه الخواطر وتملقه بالكلام اللين والتصنع ويلوم على فعل العسكر ويقول بمسمع الحاضرين ما ذنب الناس معهم خصوصا خصامهم معي او مع الرعية ها انا لي منزل بالازبكية فيه اموال وجواهر وامتعة واشياء كثيرة وسراية ابنى اسمعيل باشا ببولاق ومنزل الدفتردار ةونحو ذلك ويتحسبل ويحوقل ويعمل فكرته ويدبر امره في امر العسكر وعظمائهم وينقم عليهم ويعطيهم الاموال الكثيرة والاكياس العديدة لانفسهم وعساكرهم وتنتبذ طائفة منهم ويقولون نحن لم ننهب ولم يحصل لنا كسب فيعطهم ويفرق فيهم المقادير العظيمة فأنعم على عابدين بك بألف كيس وبغيره دون ذلك
وفي اثناء ذلك اخرج جردة من عسكر الدلاة ليسافروا الى الديار الحجازية فبرزوا الى خارج باب الفتوح حيث المكان المسمى بالشيخ قمر ونصبوا هناك وطاقهم وخرجت احمالهم واثقالهم
وفي ليلة الخميس ثارت طائفة الطبجية وخاضوا وضجوا وهم نحو الاربعمائة وطلبوا نفقة فأمر لهم بخمسة وعشرين كيسا ففرقت فيهم فسكتوا وفي يوم الخميس المذكور نزل كتخدا بك وشق من وسط المدينة ونزل عند جامع الغورية وجلس فيه ورسم لاهل السوق بفتح حوانيتهم وان يجلسوا فيها فامتثلوا وفتحوا الحوانيت وجلسوا على تخوف كل ذلك مع عدم الراحة والهدو وتوقع المكروه والتطير من العسكر وتعدى السفهاء منهم في بعض الاحايين والتحرز والاحتراس واما النصارى فإنهم حصنوا مساكنهم ونواحيهم وحاراتهم وسدوا المنافذ وبنوا كرانك واستعدوا بالاسلحة والبنادق وامدهم الباشا بالبارود وآلات الحرب دون المسلمين حتى انهم استأذنوا كتخدا بك في سد بعض الحارات النافذة التى يخشون وقوع الضرر منها فمنع من ذلك واما النصارى فلم يمنعهم وقد تقدم ذكر فعله مع رضوان كاشف عندما سد باب داره وفتحه من جهة اخرى وعزره وبهدله بوسط الديوان
وفيه وصل نجيب افندي وهو قبي كتخدا الباشا عند الدولة الى بولاق فركب اليه كتخدا بك واكابر الدولة والاغا والوالي وقابلوه ونظموا له موكبا من بولاق الى القلعة ودخل من باب النصر وحضر صحبته خلع برسم الباشا وولده طوسون باشا وسيفان وشلنجان وهدايا واحقاق نشوق مجوهرة وعملوا له شنكا ومدافع من القلعة وبولاق
وفيه ارتحل الدلاة المسافرون الى الحجاز ودخل حجو بك الى المدينة بطائفته
وفي ضحوة ذلك اليوم بعد انفضاض امر الموكب حصل في الناس زعجة وكرشات واغلقوا البوابات والدروب واتصل هذا الانزعاج بجميع النواحي حتى بولاق ومصر القديمة ولم يظهر لذلك اصل ولا سبب من الاسباب مطلقا
وفي تلك الليلة البس الباشا حجو بك خلعة وتوجه بطرطور طويل وجعله اميرا على طائفة الدلاة وانخلع هو واتباعه من طريقتهم التركية التى كانوا عليها وهؤلاء الطائفة التى يقال لهم دلاة ينسبون انفسهم الى طريقة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه واكثرهم من نواحي الشام وجبال الدروز والمتاولة وتلك النواحي يركبون الاكاديش وعلى رؤوسهم الطراطير السود مصنوعة من جلود الغنم الصغار طول الطرطور نحو ذراع واذا دخل لكنيف نزعه من على رأسه ووضعه على عتبة الكنيف وما ادري ذلك تعظيم له عن مصاحبته معه في الكنيف او الخوف وحذر من سقوطه أن انصدم بأسفكة الباب في صحن المرحاض او الملاقي وهؤلاء الطائفة مشهورة في دولة العثمانيين بالشجاعة والاقدام في الحروب ويوجد فيهم من هو على طريقة حميدة ومنهم دون ذلك وقليل ما هم ولكونهم من تمام النظام رتبهم الباشا من اجناسه واتراكه خلاف الاجناس الغريبة ومن بقي من اولئك يكون تبعا لا متبوعا
وفي يوم الثلاثاء سادس عشره حصل مثل ذلك المتقدم من الانزعاج والكرشات بل اكثر من المرة الاولى ورمحت الرامحان واغلقت الحوانيت وطلبت الناس السقائين الذين ينقلون الماء من الخليج وبيعت القربة بعشرة انصاف فضة والراوية بأربعين فنزل الاغا واغات التبديل وامامهم المناداة بالامان وينادون على العساكر أيضا ومنعهم من حمل البنادق ويأمرون الناس بالتحفظ واستمر هذا الامر والارتجاج الى قبيل العصر وسكن الحال وكثر مرور السقائين وبيعت القربة بخمسة انصاف والراوية بخمسة عشر ولم يظهر لهذه الحركة سبب أيضا وتقول الناس بطول نهار ذلك اليوم اصنافا وانواعا من الروايات والاقاويل التى لا أصل لها
وفي يوم الاربعاء سابع عشره حضر الشريف راجح من الحجاز ودخل المدينة وهو راكب على هجين وصحبته خمسة انفار على هجن أيضا معهم اشخاص من الارنؤد من اتباع حسن باشا الذي بالحجاز فطلعوا به الى القلعة ثم انزلوه الى منزل احمد أغا اخي كتخدا بك
وفي ليلة الخميس قلد الباشا عبدالله أغا المعروف بصارى جله وجعله كبيرا على طائفة من الينكجرية أيضا وجعل على راسه الطربوش الطويل المرخي على ظهره كما هي عادتهم هو واتباعه وكان من جملة المتهومين بالمخامرة على الباشا
وفيه برز امر الباشا لكبار العسكر بركوب جميع عساكرهم الخيول ومنعهم من حمل البنادق ولا يكون منهم راجل او حامل للبندقية الا من كان من اتباع الشرطة والاحكام مثل الوالي والاغا واغات التبديل ولازم كتخدا بك وايوب أغا تابع ابراهيم أغا آغات التبديل والوالي المرور بالشوارع والجلوس في مراكز الاسواق مثل الغورية والجمالية وباب الحمزاوي وباب زويلة وباب الخرق واكثر اتباعهم مغطرون في نهار رمضان ومتجاهرون بذلك من غير احتشام ولا مبالاة بانتهاك حرمة شهر الصوم ويجلسون على الحوانيت والمساطب يأكلون ويشربون الدخان وياتي احدهم وبيده شبك الدخان فيدني مجمرته لانف ابن البلد على غفلة منه وينفخ فيه على سبيل السخرية والهذيان بالصمائم وزادوا في الغي والتعدي وخطف النساء نهارا وجهارا حتى اتفق أن شخصا منهم ادخل امرأة الى جامع الاشرفية وزنى بها في المسجد بعد صلاة الظهر في نهار رمضان
وفي اواخره عملوا حساب اهل سوق مرجوش فبلغ ذلك اربعمائة وخمسين كيسا قبضوا ثلثيها وتاخر لهم الثلث كل ذلك خلاف النقود لهم ولغيرهم مثل تجار الحمزاوي وهو شئ كثير ومبالغ عظيمة فان الباشا منع من ذكرها وقال لاي شئ يؤخرون في حوانيتهم وحواصلهم النقود ولايتجرون فيها واتفق لتاجر من اهل اسوق امير الجيوش انه ذهب من حاصله من حواصل الخان ثمانية آلاف فرانسة فلم يذكرها ومات قهر وكذلك ضاع لاهل خان الحمزاوي من صرر الاموال والنقود والودائع والرهونات والمصاغ والجوهر مما يرهنه النساء على ثمن ما يشترونه من التجارة والتفاصيل والمقصبات او على ما يتأخر عليهم من الاثمان مالا يدخل تحت المحصر ويستحيا من ذكره وضاع لرجل يبيع الفسيخ والبطارخ تجاه الحمزاوي من حانوته اربعة آلاف فلم يذكرها وامثال ذلك كثير وانقضى شهر رمضان والناس في امر مريج وخوف وانزعاج وتوقع المكروه ولم ينزل الباشا من القلعة بطول الشهر وذلك على خلاف عادته فإنه لايقدر على الاستقرار بمكان اياما وطبيعته الحركة حتى في الكلام وكبار العساكر والسيد محمد المحروقي ومن يصحبه من المشايخ ونقيب الاشراف مستمرون على الطلوع والنزول في كل يوم ليلة وللمتقيدين بالمنهوبين ديوان خاص وفرق الباشا كساوي العيد على اربابها ولم يظهر في هذه القضية شخص معين والكثير من العساكر الذين يمشون مع الناس في الاسواق يظهرون الخلاف والسخط ويظهر منهم التعدي ويخطفون عمائم الناس والنساء جهارا ويتوعدون الناس بعودهم في النهب وكأنما بينهم وبين اهل البلدة عداوة قديمة اوثارات يخلصونها منهم وفيهم من يظهر التأسف والندم واللوم على المعتدين ويسفه رايهم وهو المحروم الذي غاب على ذلك وبالجملة فكل ذلك تقادير الهية وقضايا سماوية ونقمة حلت بأهل الاقليم واهله من كل ناحية نسأل الله العفو والسلامة وحسن العاقبة ومما اتفق أن بعض الناس زاد بهم الوهم فنقل ماله من حانوته او حاصله الكائن ببعض الوكائل والخانات الى منزله او حرز آخر فسرقها السراق وحانوته او حاصله لم يصبه ما اصاب غيره وتعدد نظير ذلك لاشخاص كثيرة وذلك من فعل اهل البلدة يراقبون بعضهم بعضا ويداورنوهم في اوقات الغفلات في مثل هذه الحركات ومنهم من اتهم خدمة واتباعه وتهددهم وشكاهم الى حكام الشرطة ويغرم مالا على ذلك أيضا وهم بريئون ولايفيده الا ارتكاب الاثم والفضيحة وعداوة الاهل والخدم وزيادة الغرم وغالب ما بايدي التجار اموال الشركاء والودائع والرهونات ويطالبه اربابها ومنهم قليل الديانة وذهب من حانوته اشياء وبقي اشياء فادعى ضياع الكل لقوة الشبهة

{ أحداث شهر شوال سنة 1230 }

واستهل شهر شوال بيوم الثلاثاء وهو يوم عيد الفطر وكان في غاية البرودة والخمول عديم البهجة من كل شئ ولم يظهر فيه علامات الاعياد الا فطر والضائمين ولم يغير احد ملبوسه بل ولافصل ثيابا مطلقا ولا شيئا جديدا ومن تقدم له ثوب وقطعة وفصلة في شعبان تأخر عند الخياط مرهونا على مصاريفه ولوازمه لتعطيل جمع الاسباب من بطانة وعقادة وغيرها حتى انه اذا مات ميت لم يدرك اهله كفنه الا بمشقة عظيمة وكسد في هذا العيد سوق الخياطين وما اشبههم من لوازم الاعياد ولم يعمل فيه كعك ولا شريك ولاسمك مملح ولا نقل ولم يخرجوا الى الجبانات والمدافن أيضا كعادتهم ولا نصبوا خياما على المقابر ولم يحسن في هذه الحادثة الا امتناع هذه الامور وخصوصا خروج النساء الى المقابر فإنه لم يخرج منهن الا بعض حرافيشهن على تخوف ووقع لبعضهن من العسكر ما وقع عند باب النصر والجامع الاحمر
وفي ثالثه نزل الباشا من القلعة من باب الجبل وهو في عدة من عسكر الدلاة والاتراك الخيالة والمشاة وصحبته عابدين بك وذهب الى ناحية الاثار فعيد على يوسف باشا المنفصل عن الشام لانه مقيم هناك لتغيير الهواء بسبب مرضه ثم عدى الى الجيزة وبات بها عند صهره محرم بك ولما اصبح ركب السفائن وانحدر الى شبرا وبات بقصره ورجع الى منزله بالازبكية ثم طلع الى القعلة
وفي يوم الثلاثاء ثامنه عمل ديوانا وجمع المشايخ المتصدرين وخاطبهم بقوله انه يريد أن يفرج عن حصص الملتزمين ويترك لهم وساياهم يؤجرونها ويزرعوهنا لانفسهم ويرتب نظاما لاجل راحة الناس وقد امر الافندية كتاب الروزنامه بتحرير دفاتر وآمهلهم اثني عشر يوما يحررون في ظرفها الدفاتر على الوجه المرضى فأثنوا عليه خيرا ودعوا له فقال الشيخ السشواني ونرجو من افندينا أيضا الافراج عن الرزق الاحباسية كذلك فقال كذلك ننتظر في محاسبات الملتزمين ونحررها على الوجه المرضى أيضا ومن اراد منهم أن يتصرف في حصته ويلتزم بخلاص ما تحرر عليها من المال الميري لجهة الديوان من الفلاحين بموجب المساحة والقياس صرفناه فيها والا ابقاها على طرفنا ويقبض فائظه الذي يقع عليه التحرير من الخزينة نقدا وعدا فدعوا له أيضا وسكتوا فقال لهم تكلموا فإني ماطلبتكم الا للمشاورة معكم فلم يفتح الله عليهم بكلمة يقولها احدهم غير الدعاء له على أن الكلام ضائع لانها حيل ومخادعة تروج على اهل الغفلات ويتوصل بها الى ابراز ما يرومه من المرادات وعند ذلك انفض المجلس وانطلقت المبشرون على الملتزمين بالبشائر وعود الالتزام لتصرفهم يأخدون منهم ويأخذون منهم بقاشين مع ان الصورة معلومة والكيفية مجهولة ومعظم السبب في ذكره ذلك أن معظم حصص الالتزام كان بيدي العساكر وعظمائهم وزوجاتهم وقد انحرفت طباعهم وتكدرت امزجتهم بمنعهم عنه وحجزهم عن التصرف ولم يسهل بهم ذلك فمنهم من كظم غيظه وفي نفسه ما فيها ومنهم من لم يطق الكتمان وبارز بالمخالفة والتسلط على من لاجناية عليه فلذلك الباشا اعلن في ديوانه بهذا الكلام بمسمع منهم لتسكن حدتهم وتبرد حرارتهم الى أن يتم امر تدبيره معهم
وفيه وصلت الهجانة واخبار ومكاتبات من الديار الحجازية بوقوع الصلح بين طوسون باشا وعبدالله بن مسعود الذي تولى بعد موت ابيه كبيرا على الوهابية وان عبدالله المذكور ترك الحروب والقتال واذعن للطاعة وحقن الدماء وحضر من جماعة الوهابية نحو العشرين نفرا من الانفار الى طوسون باشا ووصل منهم اثنان الى مصر فكأن الباشا لم يعجبه هذا الصلح ولم يظهر عليه علامات الرضا بذلك ولم يحسن نزل الواصلين ولما اجتمعا به وخاطبهما عاتبهما على المخالفة فاعتذرا وذكرا أن الامير مسعودا المتوفي كان فيه عناد وحدة مزاج وكان يريد الملك واقامة الدين واما ابنه الامير عبدالله فإنه لين الجانب والعريكة ويكره سفك الدماء على طريقة سلفه الامير عبدالعزيز المرحوم فإنه كان مسالما للدولة حتى أن المرحوم الوزير يوسف باشا حين كان بالمدينة كان بينه وبينه غاية الصداقة ولم يقع بينهما منازعة ولا مخالفة في شىء ولم يحصل التفاقم والخلاف الا في ايام الامير مسعود ومعظم الامر للشريف غالب بخلاف الامير عبدالله فإنه احسن السير وترك الخلاف وامن الطرق والسبل للحجاج والمسافرين ونحو ذلك من الكلمات والعبارات المستحسنات وانقضى المجلس وانصرفا الى المحل الذي امرا بالنزول فيه ومعهما بعض اتراك ملازمون لصحبتهما مع اتباعهما في الركوب والذهاب والاياب فإنه اطلق لهما الاذن الى اي محل اراده فكانا يركبان ويمران بالشوارع بأتباعهما ومن يصحبهما ويتفرجان على البلدة و اهلها ودخلا الى الجامع الازهر في وقت لم يكن به احد من المتصدرين لاقراء والتدريس وسألوا عن اهل مذهب الامام احمد بن حنبل رضى الله عنه وعن الكتب الفقهية المصنفة في مذهبه فقيل انقرضوا من ارض مصر بالكلية واشتريا نسخا من كتب التفسير والحديث مثل الخازن والكشاف والبغوي والكتب الستة المجمع على صحتها وغيرذلك وقد اجتمعت بهما مرتين فوجدت منهما انسا وطلاقة لسان واطلاعا وتضلعا ومعرفة بالاخبار والنوادر ولهما من التواضع وتهذيب الاخلاق وحسن الادب في الخطاب والتفقة في الدين واستحضار الفروع الفقهية واختلاف المذاهب فيها ما يفوق الوصف واسم احدهما عبد الله والاخر عبد العزيز وهو الاكبر حسنا ومعنى
وفي يوم السبت تاسع عشره خرجوا بالمحمل الى الحصوة خارج باب النصر وشقوا به من وسط المدينة وامير الركب شخص من الدلاة يسمى اوزون اوغلي وفوق رأسه طرطور الدالاتية ومعظم الموكب من عساكر الدلاة وعلى رؤوسهم الطراطير السود بذاتهم المستبشعة وقد عم الاقليم المسخ في كل شئ فقد تغص الطبيعة وتتكدر النفس اذا شاهدت ذلك او سمعت به وقد كانت نضارة الموكب السالفة في ايام المصريين ونظامها وحسنها وترتيبها وفخامتها وجمالها وزينتها التي لم يكن لها نظير في الربع المعمور ويضرب بها المثل في الدنيا كما قال قائلهم فيها مصر السعيدة مالها من مثيل فيها ثلاثة من الهنا والسرور مواكب السلطان وبحر الوفا ومحمل الهادي نهار يدور فقد فقدت هذه الثلاثة في جملة المفقودات
وفي ثالث عشرينه وصل قابجي وعلى يده تقرير ولاية مصر لمحمد علي باشا على السنة الجديدة فعملوا لذلك الواصل موكبا من بولاق الى القلعة وضربوا مدافع وشنكا وبنادق

{ أحداث شهر ذي القعدة سنة 1230 }

واستهل شهر ذي القعدة الحرام بيوم الاربعاء
في سادس عشره سافر الباشا الى الاسكندرية واخذ صحبته عابدين بك واسمعيل باشا ولده وغيرهما من كبرائهم وعظمائهم وسافر ابضا نجيب افندي وسليمان اغا وكيل دار السعادة سابقا تابع صالح بك المصري المحمدي الى دار السلطنة واصحب الباشا الى الدولة واكابرها الهدايا من الخيول والمهاري والسروج المكللة بالذهب واللؤلؤ والمخيش وتعابي الاقمشة الهندية المتنوعة من الكشمير والمقصبات والتحف ومن الذهب المضروب السكة اربعة قناطير ومن الفضة الثقيلة في الوزن والعيار عدة قناطير ومن السكر المكرر مرارا وانواع الشراب خافاه في القدور الصيني وغير ذلك
وفيه وردت الاخبار بوصول طوسون باشا الى الطور فهرعت اكابرهم واعيانهم الى ملاقاته واخذوا في الاهتمام واحضار الهدايا والتقادم وركبت الخوندات والنساء والستات افواجا افواجا يطلعن الى القلعة ليهنين والدته بقدومه
وفي غايته وصل طوسون باشا الى السويس فضربوا مدافع اعلاما بقدومه وحضر نجيب افندي راجعا من الاسكندرية لاجل ملاقاته لانه قبي كتخدا اليوم ايضا عند الدولة كما هو لوالده

{ أحداث شهر ذي الحجة سنة 1230 }

واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الجمعة
في رابعه يوم الاثنين نودي بزينة الشارع الاعظم لدخول طوسون باشا سرورا بقدومه فلما اصبح يوم الثلاثاء خامسه احتفل الناس بزينة الحوانيت بالشارع وعملوا له موكبا حافلا ودخل من باب النصر وعلى رأسه الطلخان وشعار الوزارة وطلع الى القلعة وضربوا في ذلك اليوم مدافع كثيرة وشنكا وحراقات
وفي ليلة الجمعة خامس عشره سافر طوسون باشا المذكور الى الاسكندرية ليراه ابوه ويسلم هو عليه وليرى هو ولداله ولد في غيبته يسمى عباس بك اصحبه معه جده مع حاضنته وسنه دون السنتين يقال ان جده قصد ارساله الى دار السلطنة فلم يسهل بابيه ذلك وشق عليه ففارقه وخصوصا كونه لم يره وسافر صحبة طوسون باشا نجيب افندي عائدا الى الاسكندرية
وفي يوم السبت عشرينه حضر طوسون باشا الى مصر راجعا من الاسكندرية في تطريدة ومعه ولده فكانت مدة غيبته ذهابا وايابا ثمانية ايام فطلع الى القلعة وصار ينزل الى بستان بطريق بولاق ظاهر التبانة عمره كتخدا بك وبنى به قصرا فيقيم به غالب الايام الىي اقامها بمصر وانقضت السنة وما تجدد فيها من استمرار المبتدعات والمكوس والتحكير واهمال السوقة والمتسببين حتى عم غلو الاسعار في كل شئ حتى بلغ سعر كل صنف عشرة امثال سعره في الايام الخالية مع الحجر على ا لايراد واسباب المعايش فلا يهنا بعيش في الجملة الامن كان مكاسا او في خدمة من خدم الدولة مع كونه على خطر فإنه وقع لكثير ممن تقدم في منصب او خدمة انه حوسب واهين والزم بما رافعوه فيه وقد استهلكه في نفقات نفسه وحواشيه فباع ما يملكه واستدان واصبح ميؤسا مديونا وصارت المعايش ضنكا وخصوصا الواقع في اختلاف المعاملات والنقود والزيادة في صرفها واسعارها واحتجاج الباعة والتجار والمتسببين بذلك وبما حدث عليها من مال المكس مع طمعهم ايضا وخصوصا سفلة الاسواق وبياعي الخضارات والجزارين والزياتين فإنهم يدفعون ماهو مرتب عليهم للمحتسب مياومة ومشاهرة ويخلصون اضعافة من الناس ولا رادع لهم بل يسعرون لانفسهم حتى ان البطيخ في أوان كثرته تباع الواحدة التي كانت تساوي نصفين بعشرين وثلاثين والرطل من العنب الشرقاوي الذي كان يباع في السابق بنصف واحد يبيعونه يوما بعشرة ويوما باثني عشر ويوما بثمانية وقس على ذلك الخوخ والبرقوق والمشمش واما الزبيب والتين واللوز والبندق والجوز والاشياء التي يقال لها اليميش التي تجلب من بلاد الروم فبلغت الغاية في الثمن بل قد لايوجد في اكثر الاوقات وكذلك ما يجلب من الشام مثل الملبن والقمر الدين والمشمش الحموي والعناب وكذلك الفستق والصنوبر وغير ذلك ما يطول شرحه ويزداد بطول الزمان قبه

{ من مات فى هذه السنة }

ومات في هذه السنة العلامة الاوحد والفهامة الامجد محقق عصره ووحيد دهره الجامع لاشتات العلوم والمنفرد بتحقيق المنطوق والمفهوم بقيه الفصحاء الفضلاء المتقدمين المتميز عن المتأخرين الشيخ محمد ابن احمد بن عرفة الدسوقي المالكي ولد ببلده دسوق من قرى مصر وحضر الى مصر وحفظ القرآن وجوده على الشيخ محمد المنير ولازم حضور دروس الشيخ علي الصعيدي والشيخ الدردير وتلقى الكثير من المعقولات عن الشيخ محمد الجناجي الشهير الشافعي وهو مالكي ولازم الوالد حسنا الجبرتي مدة طويلة وتلقى عنه بواسطة الشيخ محمد بن اسمعيل النفراوي علم الحكمة الهيئة والهندسة وفن التوقيت ةحضر عليه ايضا في فقه الحنفية وفي المطول وغيره برواق الجبرت بالازهر وتصدر للاقراء والتدريس وافادة الطلبة وكان فريدا في تسهيل المعاني وتبيين المباني يفك كل مشكل بواضح تقريره ويفتح كل مغلق برائق تحريره ودرسه مجمع اذكياء الطلاب والمهرة من ذوي الافهام والالباب مع لين جانب وديانة وحسن خلق وتواضع وعدم تصنع واطراح تكلف جاريا على سجيته لايرتكب ما يتكلفه غيره من التعاظم وفخامة الالفاظ ولهذا كثر الاخذون عليه والمترددون اليه
ومات الاستاذ الفريد واللودعي المجيد الامام العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النحوي الاصولي الجدلي المنطقي الشيخ محمد المهدي الحفني ووالده من الاقباط واسلم هو صغيرا دون البلوغ على يد الشيخ الحفني وحلت عليه انظاره واشرقت عليه انواره وفارق اهله وتبرا منهم وحضنه الشيخ ورباه واحبه واستمر بمنزله مع اولاده واعتنى بشأنه وقرا القرآن ولما ترعرع اشتغل بطلب العلم وحفظ أبا شجاع والفية النحو والمتون ولازم دروس الشيخ واخيه الشيخ يوسف وغيرهما من اشياخ الوقت مثل الشيخ العدوي والشيخ عطية الاجهوري والشيخ الدردير والبيلي والجمل والخرشي وعبد الرحمن المقري والشرقاوي وغيرهم واجتهد في التحصيل ليلا ونهارا ومهر وانجب ولازم في غالب مجالس الذكر عن الشيخ الدردير بعد وفاة الشيخ الحفني وتصدر للتدريس في سنة تسعين ومائة والف ولما
مات الشيخ محمد الهلباوي سنة اثنتين وتسعين جلس مكانه بالازهر وقرا شرح الالفية لابن عقيل ولازم الالقاء وتقرير الدروس مع الفصاحة وحسن البيان والتفهم وسلاسة التعبير وايضاح العبارات وتحقيق المشكلات ونما امره واشتهر ذكره وبعد صيته ولم يزل امره ينمو واسمه يسمو مع حسن السمت ووجاهة الطلعة وجمال الهيئة وبشاشة الوجه وطلاقة اللسان وسرعة الجواب واستحضار الصواب في ترداد الخطاب ومسايرة الاصحاب وفارق الدنيا وارسلوا الى اولاده فحضر واحملوه في تابوت الى الدار الكبيرة بالمرسكي ليلا وشاع موته وجهز وصلى عليه بالازهر في مشهد حافل جدا ودفن عند الشيخ الحنفي بجانب القبر فسبحان الحي الذي لايموت
ومات الاستاذ العلامة والنحرير الفهامة الفقيه النبية المهذهب المتواضع الشيخ مصطفى بن محمد بن يوسف ابن عبد الرحمن الشهير بالصفوى القلعاوي الشافعي ولد في شهر ربيع الاول من سنة ثمان وخمسين ومائة والف وتفقه على الشيخ الملوي والسحيمي والبراوي والحفني ولازم شيخنا الشيخ احمد العروسي وانتفع عليه واذن له في الفتيا عن لسانه وجمع من تقريراته واقتطف من تحقيقاته والف وصنف وكتب حاشية على ابن قاسم الغزي على ابي شجاع في الفقه وحاشية على شرح المطول للسعد التفتازائي على التلخيص وشرح شرح السمرقندي على الرسالة العضدية في علم الوضع وله منظومة في اداب البحث وشرحها ومنظومة المتن التهذيب في المنطق وشرحها وديوان شعر سماه اتحاف الناظرين في مدح سيد المرسلين وعدة من الرسائل في معضلات المسائل وغير ذلك وكان سكنه بقلعة الجبل ويأتي في كل يوم إلى الأزهر للأقرباء والأفادة فلما أمر الباشا سكان القلعة بإخلائها والنزول منها الى المدينة فنزلوا الى المدينة وتركوا دورهم واوطانهم نزل المترجم مع من نزل وسكن بحارة امير الجيوش جهة باب الشعرية ولم يزل هناك حتى تمرض اياما وتوفي ليلة السبت سابع عشري شهر رمضان وصلى عليه بالازهر ودفن بزاوية الشيخ سراج الدين البلقبني بحارة السيارج رحمه الله تعالى فإنه كان من احسن من رأينا سمتا وعلما وصلاحا وتواضعا وانكسارا وانجماعا عن خلطة الكثير من الناس مقبلا على شأنه راضيا مرضيا طاهرا نقيا لطيف المزاج جدا محبوبا للناس عفا الله عنه وغفر لنا وله
ومات الشيخ الفاضل الاجل الامثل والوجيه المفضل الشيخ حسين بن حسن كناني بن علي المنصوري الحنفي تفقه على خاله الشيخ مصطفى بن سليمان المنصوري والشيخ محمد الدلجي والشيخ احمد الفارسي والشيخ عمر الدبركي والشيخ محمد المصيلي واقرا في فقه المذهب دروسا في محل جده لامه بالازهر وسكن داره بحارة الحبانية على بركة الفيل مع اخيه الشيخ عبد الرحمن ثم انتقلا في حوادث الفرنساوية الى حارة الازهر ولما كانت حادثة السيد عمر مكرم النقيب من مصر الى دمياط وكنبوا فيه عرضا للدولة وامتنع السيد احمد الطحطاوي من الشهادة عليه كما تقدم وتعصبوا عليه وعزلوه من مشيخة الحنفية قلدوها المترجم فلم يزل فيها حتى تمرض وتوفي يوم الثلاثاء تاسع عشري المحرم وصلي عليه بالازهر ودفن بتربة المجاورين رحمه الله وايانا
ومات البليغ النجيب والنبيه الاريب نادرة الزمان وفريد الاوان اخونا ومحبنا في الله تعالى ومن اجله السيد اسمعيل بن سعد الشهير بالخشاب كان ابوه نجارا ثم فتح له مخزنا لبيع الخشب تجاه تكية الكلشني بالقرب من باب زويلة وولد له المترجم واخوه ابراهيم ومحمد وهو اصغرهما فتولع السيد اسمعيل المترجم بحفظ القرآن ثم بطلب العلم ولازم حضور السيد علي المقدسي وغيره من افاضل الوقت وانجب في فقه الشافعية والمعقول بقدر الحاجة وتثقيف اللسان والفروع الفقهية الواجبة والفرائض وتنزل في حرفة الشهادة بالمحكمة الكبيرة لضرورة التكسب في المعاش ومصارف العيال وتمسك بمطالعة الكتب الادبية والتصوف والتاريخ واولع بذلك وحفظ اشياء كثيرة من الاشعار والمراسلات وحكايات الصوفية وما تكلموا فيه من الحقائق حتى صار نادرة عصره في المحاضرات والمحاورات واستحضار المناسبات والماجريات وقال الشعر الرائق ونثر النثر الفائق وصحب بسبب ما احتوى عليه من دماثة الاخلاق ولطف السرايا وكرم الشمائل وخفة الروح كثيرا من رباب المظاهر والرؤساء من الكتاب والامراء والتجار
ولم يزل المترجم على حالته ورقته ولطافته مع ما كان عليه من كرم النفس والعفة والنزاهة والتولع بمعالي الامور والتكسب وكثرة الانفاق وسكنى الدور الواسعة والحزم وكان له صاحب يسمى احمد العطار بباب الفتوح توفي وتزوج هو بزوجته وهي نصف واقام معها نحو ثلاثين سنة ولها ولد صغير من المتوفي فتبناه ورباه ورفهه بالملابس واشفق به اضعاف والد بولده بلغ عمل له مهما وزوجته ودعا الناس الى ولائمه وانفق عليه في ذلك انفاقا كثيرة وبعد نحو سنة تمرض ذلك الغلام اشهرا فصرف عليه وعلى معالجته جملة من المال ومات فجزع عليه جزعا شديدا ويبكي وينتحب وعمل له مأتما وعزاء واختارت امه دفنه بجامع الكردي بالحسينية ورتبت وقراء واتخذت مسكنا ملاصقا لقبره اقامت به نحو الثلاثين سنة مع دوام عمل الشريك والكعك بالعجمية والسكر وطبخ الاطعمة للمقرئين والزائرين ثم ملازمة الميت واتخاذ ما ذكر في كل جمعة على الدوام والمترجم طوع يدها في كل ماطلبته وما كلفته به تسخيرا من الله تعالى وكل ما وصل الى يده من حرام او حلال فهو مستهلك عليها وعلى اقاربها وخدمها لا لذة له في ذلك حسية ولا معنوية لانها في ذاتها عجوز شوهاء وهو في نفسه نحيف البنية ضعيف الحركة جدا بل معدومها وابتلى بحصر البول وسلسه القليل مع الحرقة والتألم استدام بها مدة طويلة حتى لزم الفراش اياما وتوفي يوم السبت ثاني شهر الحجة الحرام بمنزله الذي استأجره بدرب قرمز بين القصرين وصلينا عليه بالازهر في مشهد حافل ودفن عند ابنه المذكور بالحسينية وكثيرا ما كنت اتذكر قول القائل ومن تراه بأولاد السوى فرحا في عقله عزه ان شئت وانتدب اولاد صلب الفتى قلت منافعهم فكيف يلمح نفع الا بعد الجنب مع انه كان كثير الانتقاد على غيره فيما لايداني فعله وانقياده الى هذه المراة وحواشيها نسأل الله السلامة والعافية وحسن العاقبة كما قيل من تكمله ما تقدم فلا سرور سوى نفع بعافية وحسن ختم وما يأتي من الشعب وامن نكر نكير القبر ئمة ما يكون بعد من الاهوال والتعب


عجائب الآثار في التراجم والأخبار
المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


    الوقت/التاريخ الآن هو السبت 21 يوليو 2018 - 0:25