ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3]

avatar
دليل
Admin

المساهمات : 1353
تاريخ التسجيل : 24/02/2014

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3] Empty ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3]

مُساهمة من طرف دليل في الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 12:29

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3] Alzama11

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مُختصر أخبار الزمان
تابع ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3] 1410
تابع ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
فلما فرغ من أمر مماليك الملك جلس على سرير الملك ابنه اخريتا الملك، وتقلد الأمر وكان لينا سهلا حسن الخلق فلما مات أبوه رجع عما كان عليه من التوحيد وصار على دينهم.
وكان سبب رجوعه إلى عبادة الأصنام أن أمه كانت بنت كبير من الكهان ففتنته بعد موت ابيه إلى دينها وغلبته على رأيها، فأمرت بتجديد الهياكل وشددت في عبادة الأصنام.
وتزوج الملك امرأة من بني عمه، فأحبها حبا شديدا فهام بها فافسدته على جميع نسائه، فاشتد ذلك على أمه.
وكانت له قهرمانة من أهل أسيوط ساحرة لا تطاق، وكانت تميل إلى هذه المرأة لأنها كانت تعشق أخاها، فزادت في سحرها لتلك المرأة وأوحشت ما بين الملك وأمه حتى رفضها واستخف بها، وزادت في القصة حتى حلف انه لا يجاورها، وان يغزو ويتصرف ولايرجع الى مصر حتى يتصل به خبر موتها، ففعل ذلك وغزا بلاد الهند وأرض السودان.
وكان سبب خروجه إلى أرض الهند أن ملكا من ملوكها يقال له ميسور خرج في عدد كثير في البر وسايرته مراكبه في البحر ففتح بلدانا وجزائر، وأكثر القتل والسبي، وذكرت له مصر فقصدها ثم اعتل فرجع من طريقه. فأمر اخريتا الملك فعمل مائة سفينة في صور المصريات، واستعد وخرج في ثلاثمائة سفينة وحمل المرأة معه، وحمل وجوه أصحابه.
واستخلف على مصر ابنه كلكلن وكان صبيا، وحمل معه وزيرا له يقال له لاون، وكاهنا يقال له وسموس، وخرج فمر على ساحل البحر وعاثت مراكبه فيها، فكان لايدخل بلدا إلا أقام فيها صنما وزبر عليه اسمه وسيرته ووقته.
وبلغ سرنديب فأوقع بأهلها، وغنم منها أموالا وجواهر كثيرة وحمل منها حكيما لهم بارعا، وبلغ جزيرة بين الهند والصين ووجد فيها قوما طوالا سمرا يجرون شعورهم، ورأى عندهم اللعاب والطيور التي لا تعرف وشجرة الطيب والنارجيل والفواكه التي لا تكون إلا عندهم، فأذعنوا اليه بالطاعة وحملوا اليه أموالا وهدايا فقبلها وسار عنهم. وجعل يتنقل في تلك الجزائر عدة سنين، يقال إنه غاب عن مصر في سفره سبعة عشرة سنة.
ورجع إلى مصر غانما موقورا فوجد أمه قد هلكت، وكان أهل مصر قد أيسوا منه، فورد على الناس من رجوعه أمر عظيم من الفرح، وكان معهم على حالهم من السلامة والوقور والظهور.
ووجد ابنه كلكلن على ماتركه من الملك فسر بذلك وهابته الملوك، وعظم قدره في أعين الناس، ثم بنى عدة هياكل وزينها وحلاها وأقام فيها أصناما للكواكب، لأنه زعم أنها هي التي أيدته في سفره حتى ظفر وغنم ونجا، وقد كان حمل معه من الهند طبيبا وحكيما، وحملا مع أنفسهما كتبهما وعزائمهما، فأظهرا بمصر عجائب مشهورة.
وحمل معه من بلاد الهند صنما من ذهب مقرطا بالجوهر، ونصبه في بعض الهياكل التي أقامها وكان حكيم الهند هو الذي يقوم عليه ويخدمه ويقرب له، فكان يخبرهم بكل ما يريدونه.
وأن أخريتا الملك أقام بعد منصرفه من الهند مدة ثم غزا نواحي الشام فأدى إليه أهلها الطاعة، ثم رجع إلى مصر وغزا نواحي النوبة والسودان فصالحوه على هياكلهم بأتاوة أدوها اليه فتركهم ورجع إلى مصر.
وملكهم خمسا وسبعين سنة، وعمل لنفسه في صحراء الغرب ناووسا وأمر أن يدفن فيه إذا مات ثم سار إلى رفودة وعمل فيها مصانع وعجائب، وأقام بها الى ان مات،
ولما مات ضمد جسمه بالمومياء والكافور والمر وجعل في تابوت من ذهب وحمل إلى ناووسه ودفن فيه ودفن معه مال كثير وجوهر نفيس وتماثيل كثيرة وسلاح عجيبة وعقاقير وكتب خطية. وصورت في جوانب الناووس صورته وزبر عليها ذكر السنين التي غزا فيها والبلدان التي فتحها، والمرأة التي غلبها وسدوا باب الناووس، وزبروا اسمه ومدته عليه وتاريخ موته. وقد قتل جماعة من نسائه أنفسهن عليه، واغتم عليه الكهنة لاتباعه دينهم.
وملك بعده ابنه كلكلن الملك فعقد تاج الملك بعد موت أبيه بالاسكندرية وأقام بها شهرين، ورجع إلى منف، وكان على دين أبيه فاستبشر به أهل مصر لانه كان يحب الكهنة وإظهار العجائب ويقرب أهلها ويكثر جوائزهم.
ولم يزل يعمل طول عمره فخزن أموالا عظيمة، ودفن منها بصحراء الغرب ما لا يوصف كثرة. وهو أول من أظهر صنع الكيمياء بمصر، وكانت مكتومة وكان يطرح المثقال الواحد على القناطير من النحاس الكثيرة فيصنعها باذن الله تعالى ذهبا وكان الملوك قبله رأوا كتم عملها لئلا يجتمع عليها ملوك الامم، فترك كلكلن ذلك الرأي وعمل الكيمياء وملأ دور الحكمة منها حتى لم يكن الذهب قط أكثر منه في أيامه، ولا الخراج لانه بلغ وقته فيما حكاه بعض القبط مائة ألف ألف وسبعة عشر ألف ألف، واستغنوا في وقته عن إثارة المعادن لقلة حاجتهم إليها، وعمل أيضا من الحجارة المسبوكة الصنم الملون الذي ينشف شيئا كثيرا، وعمل أيضا حجارة شفافة ملونة من الفيروزج واليشم والزبرجد وغيرها.
وتحكي القبط أنه اخترع أشياء تخرج عن العقل حتى سمته الحكماء حكيم الملوك، وغلب جميع الكهنة في علمهم وكان يخبرهم بما يغيب عنهم فخافوه واحتاجوا إلى علمه.
وكان نمرود إبراهيم في زمانه، ويقال أنه لما اتصل بالنمرود وحكمته وسحره استزاره وكان النمرود جبارا مشوه الخلق سكن سواج العراق، وكان الله آتاه قوة وبطشا، فغلب على كثير من الأمم، فتقول القبط لما يريدون من تعظيم ملوكهم أن كلكلن لما أستزاره النمرود وجه إليه أن يلقاه منفردا من أهله وحشمه لموضع كذا.
فأقبل كلكلن للوعد وهو على أربعة افراس، ذوات اجنحة تحمله، وقد أحاط به نور كالنار وحوله صنوف هائلة من التماثيل فدخل بها وهو متوشح بتنين متحزم ببعضه وقد فغر فاه وبيده قضيب من آس أخضر فكلما رفع التنين رأسه ضربه بالقضيب فأماله.
فلما رآه النمرود هاله امره فخاطبه معظما له معترفا بجليل حكمه، وسأله أن يكون له صاحباً وظهيرا فأسعف رغبة النمرود في ذلك ثم افترقا.
وتقول القبط أن كلكلن كان يرتفع ويجلس على رأس الهرم، ويقولون ايضا إنه أقام على رأس الهرم مدة في قبة تلوح على رأسه حتى طمعت الملوك الذين حوله في ملكه.
فقصده ملك من ملوك الغرب يقال له سادوم في جيش عظيم وأقبل من نحو وادي هيت ليكبس أرض مصر. فاقبل كلكلن حتى بلغهم ثم جللهم بشيء من سحره يشبه الغمام شديد الحرارة، فأقاموا تحته أياما لا يدرون أين يتوجهون من الحيرة.
وسار هو الى مصر فتيامن الناس به، فعرفهم بما جرى وأمرهم بالخروج اليهم ليعرفوا خبرهم، فخرجوا فوجدوهم قد ماتوا عن آخرهم، فنقلوا جميع ما خلفوه وكان كثيرا جدا. فعجب الناس من ذلك وهابته الملوك هيبة لم يهابوهالأحد قبله، وصوروا صورته في جميع الهياكل، وملكهم زمانا.
وبنى في آخر عمره هيكلا لرجل من صوان أسوج في ناحية الغرب، وجعل له عيدا، وبنى في وسطه ناووسا وحمل اليه ما أراد من ذهب وجوهر وحكم وعقاقير، وعرفهم أنه ميت.
وأوصى بالملك إلى أخيه ماليا الملك وكان شريبا كثير الأكل والشرب منفردا بالرفاهية غير ناظر في شيء من أمر الحكمة، وجعل أمر البلد إلى وزير له. فكانت أيامه صالحة لهيبة أخيه كلكلن، وتقدمهم أنه لم يمت وأنه ذكر لهم موته لينتظر ما تجري عليه أحوالهم.
وكان ماليا معجبا بالملك محبا للنساء ومعاشرتهن فكان له ثمانون أمرأة، ثم اتخذ امرأة من بعض ملوك منف، وكانت عاقلة سديدة الرأي فحمته من النساء وكان بها معجبا ولها محبا وكان له بنون وبنات من سائر نسائه وكان أكبر بنيه يقال له طوطيس، فكان يستجهل أباه ويسترذل سيرته، فأعمل الحيلة في قتله، وحملته على ذلك أمه وجماعة من نسائه وبعض وزرائه فهجم عليه في رواقه سكران والمرأة معه فقتله وقتل المرأة.
وتولى الأمر بعد أبيه طوطيس وجلس على سرير الملك، وكان جبارا جريئا شديد البأس مهيبا فدخل عليه الأشراف فهنأوه، ودعوا له فأمرهم بالاقبال على مصالحهم، وترك ما لا يعنيهم ووعدهم بالاحسان والقبط تزعم أنه اول الفراعنة بمصر، وانه فرعون إبراهيم عليه السلام، وان الفراعنة سبعة هو اولهم.
وتذاكر الناس ما عمل بأبيه وانكروه واستقبحوا صلبه للمرأة، وشعر بذلك فانزلها ودفنها، واستخف بأمر الهياكل والكهان. وكان من خبر إبراهيم عليه السلام معه ان إبراهيم لما هرب من قومه ومن النمرود وأشفق من المقام بالشام لئلا يلحقه قومه فيردونه إلى النمرود، لأنه كان فر بها من سواد العراق.
فخرج إلى مصر ومعه سارة امراته وخلف ابن اخيه لوطا بالشام، وسار إلى مصر وكانت سارة اجمل نساء العالم في وقتها، ويقال ان يوسف ورث حواء من حسنها لأنها جدته.
فلما دخلا مصر ورأى الحرس المقيمون على باب المدينة، حسن سارة، عجبوا منها ورفعوا أمرها إلى الملك طوطيس. وقالوا له دخل رجل من أهل المشرق، ومعه امرأة لم ير الناس أجمل منها وجها ولا أكمل حسنا. فأرسل الملك وزيره فاحضر إبراهيم وسأله عن خبره وبلده فأخبره فقال له ما هذه المرأة منك، فقال له اختي، فعرف الوزير الملك ذلك فقال له أحب أن اراها، فعرف الوزير إبراهيم بذلك، فاستصعب ذلك، ولم يمكنه مخالفته وعلم ان الله تعالى لا يسوءه في أهله.
فقال لسارة سيري إلى الملك فقد طلبك ليراك، وهو امرؤ لا يعصى، فقالت وما يصنع بي الملك وهو ما رآني قبل وإني لفازعة منه، قال أرجو أن تكوني بخير.
فقامت معه حتى دخلا على الملك في قصره، فلما رآها الملك نظر منها إلى منظر راعه وأفتنه، فأمر باخراج إبراهيم عليه السلام فخرج وندم على قوله إنها أخته، وهو إنما أراد أخته في الدين. ووقع في قلب إبراهيم عليه السلام ما يقع في قلب الرجل إذا غلب على أهله، وتمنى أنه لم يدخل مصر، وقال: اللهم لا تفضح إبراهيم في أهله.
فكشف الله له ما وراء الحيطان حتى صار ذلك كله كالزجاج الرقيق الصافي، فرأى الملك ورآها.
فراودها الملك عن نفسها فامتنعت عليه فذهب ليمد يده إليها، فقالت له إنك إن وضعت يدك علي أهلكت نفسك لأن لي ربا يمنعني منك، فلم يلتفت إلى قولها ومد يده إليها فجفت يده دونها، وبقي حائرا.
فقال لها زولي عني ما أصابني، فقالت له لا أقدر على ذلك إلا أن يشاء ربي، فان ضمنت ان لا تعاود دعوته فعسى ان يزيل ما نزل بك.
فقال لها لست أعود إلى ما فعلت، فدعت الى الله تعالى فأذهب ما كان به.فلما وثق بالصحة راودها ومناها، فامتنعت عليه، وقالت له قد عرفت ما جرى لك ثم مد يده إليها فجفت واضطربت عليه أعضاؤه، فاستغاث بها وأقسم بآلهته أنه إن أزالت عنه ما به لا يعاودها فدعت الله تعالى، فزال ذلك عنه فرجع إلى حاله، وقال لها إن لك ربا عظيما، وليس مضيعك وأعظم قدرها، وسألها عن إبراهيم عليه السلام، فقالت هو زوجي وقريبي.
قال فانه ذكر أنك أخته، قالت صدق أنا اخته في الدين، وكل من على ديننا فهو أخ لنا، فقال نعم الدين دينكم.
فوجهها إلى ابنته حوريا، وكانت من العقل والكمال بمكان كبير، فألقى الله محبة سارة في قلبها فأكرمتها وعظمتها، وأضافتها فأحسنت ضيافتها، ووهبت لها مالا وجواهر، فأتت به إبراهيم عليه السلام فقال رديه فلا حاجة لنا به فردته فذكرت ذلك حوريا لأبيها، فعجب منها، وقال إن هؤلاء لقوم كرام وبنية طاهرة.
فتحيلت في برها بكل حيلة، فلم تقبل منها شيئا، فوهبت لها جارية قبطية من أحسن الجواري، وعزمت عليها في قبولها فقبلتها، وهي هاجر أم إسماعيل عليه السلام، فلما أراد إبراهيم عليه السلام السفر من مصر عملت ابنة الملك حلوى كثيرة وأشياء من السكر والخبز، وأشياء كثيرة من الطعام وملأت منها سلالاً ودكت تحت الحلوى في كل سلة جوهراً نفيساً كثيراً، وحليا مصوغاً عجيباً، فلما جاءتها سارة مودعة لها دفعت اليها تلك السلال.
وقالت يكون هذا معك تتزودين به. قالت حتى أشاور صاحبي فشاورته فقال إذا كان مأكولاً فخذيه، فقبلت ذلك منها وودعتها وانصرفت الى إبراهيم عليه السلام.
فخرج هو وسارة وهاجر معه، فلما أمعنوا في السير أخرجت سارة بعض تلك السلال ليأكلوا منها، فلما أدخلت يدها وجدت الجوهر، فلما فتشت سائر السلال وجدتها كذلك، فأخرجت جميعه وعرفت إبراهيم عليه السلام بذلك وعرضت عليه فباع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي جعلها للسبيل، وفرق بعضه في وجوه الخير والبر، وكان يضيف به كل من مر به، وادخرت منه سارة.
وعاش طوطيس إلى أن وجهت إليه هاجر من مكة أنها بمكان جدب وتستقتيه فأمر بحفر نهر في شرقي مصر ثم بسفح الجبل حتى ينتهي إلى مرفأ السفن على البحر المالح، فكان يحمل اليها الحنطة وأصناف الغلال، فتصل إلى جدة وتحمل من هناك على المطايا إلى مكة، فأحيا بذلك الحجاز مدة.
ويقال إنها وجهت اليه بالحجاز تذكر ولادتها فسر بذلك، ووجه إليها ذهبا وجوهرا تتخذ منه زينة لولدها فحلت الكعبة ببعضه.
وقيل إنه لكثرة ما كان حمله طوطيس إلى الحجاز سمته هاجر والعرب الصادق، وكذلك يسميه كثير من أهل الأثر.
وقيل إن طوطيس سأل إبراهيم عليه السلام أن يبارك له في ولده فدعا له بالبركة في مصر، وعرفه إبراهيم أن ولده سيملكونها ويصير أمرها اليهم قرنا بعد قرن إلى آخر الزمان.
وطوطيس هذا أول فرعون كان بمصر، وذكر أنه أكثر القتل حتى في قرابته وأهل بيته وبني عمه وخدمه ونسائه وفي كثير من الكهنة والحكماء.
وكان حريصاً على سفك الدماء، حريصا على الولد، فلم يرزق غير ابنته حوريا، وكانت عاقلة حكيمة تأخذ على يديه كثيرا وتمنعه من سفك الدماء فلم ينته، وخافه كل أحد على نفسه فابغضته ابنته وأبغضه الخاص والعام.
وخافت حوريا زوال ملكهم بسببه فسمته فهلك، وملك سبعين سنة، واختلفوا بعد موته في التمليك عليهم، وقالهوا لن يملك علينا أحد من اهل بيته، وأرادوا تمليك بعض ولد ابريت، فقال بعض الوزراء قد علمتم فضل ابنته حوريا وحكمتها وما كانت تنكر على ابيها في أفعاله وما صنعت به حتى اراحت الناس منه فأين تذهبون عنها، وتبعه على ذلك أكثر القواد الكبار فتم لها الملك.
وملكت حوريا المملكة، وجلست على سرير الملك، ودخل عليها الناس فهنأوها ودعوا لها، فاكرمتهم ووعدتهم بالاحسان، واخذت في جمع الاموال وفي حفظها.
فلم تلبث إلا يسيراً حتى اجتمع عندها من الآموال والحلى والجوهر والثياب ما لم يجتمع لملك قبلها وقدمت الحكماء والكهنة ورؤساء السحرة، ورفعت اقدارهم.
وأمرت بتجديد الهياكل وإعظامها، وصار من لم يرضها ولا يرضى بفعلها يشيع خبرها الى ابريت، فملكوا عليهم رجلاً من ولد ابريت يقال له انداحس، فعقد على رأسه تاجاً وصار اليه جماعة من بني عمه وأهل بيته، فانفذت اليه جيشا تحاربه، فلما رأى أنه لا طاقة له بها دعاها الى الصلح وخطبها الى نفسه وذكر لها ان الملك لا يقوم إلا بالرجال، وخوفها ان يزول ملكهم بسببها ومكانها من الملك.
فعملت صنيعاً وأمرت ان يحضر الناس على منازلهم فحضروا واكلوا وشربوا وبذلت لهم الأموال، وعرفتهم ما جرى اليه ذلك الرجل من خطبتها فبعضهم صوب الرأي وبعضهم امتنع، وقال لا نولي علينا غيرها لمعرفتنا بعقلها وفضلها وحكمتها، وهي وارثة الملك.
ووثبوا على نفر ممن خالفهم فقتلوهم، ثم خرجوا في جيش كثير، فلقوا جيش الخارج عليها ابريت فهزموهم، وقتلوا كثيراً منهم، وهرب هو الى أرض الشام، وبها الكنعانيون من ولد عملاق، فاستجار بملكهم، وأخبره خبره، ورغبه في مصر وعظم له أمرها وكنوزها، وقرب له أخذها، وضمنها له.
فجهزه ملك الشام بجيش عظيم الى مصر، وأرسل معه على الجيش رجلاً عظيماً من أصحابه، واجتمع الناس كلهم بمصر وجهاتها على حوريا ففتحت خزائن أبيها وفرقت أكثرها على الناس فاحبوها، وأذعنوا لها بالطاعة وقوت السحرة بالمال ووعدتهم بالاحسان.
فلما قرب انداحس بجيوش الشام أمرت السحرة أن يعملوا عملاً لتلك الجيوش، وكان المقدم على الجيوش قائداً جليلاً من عظماء قواد ملكهم، يقال له جيرون.
فلما نزل أرض مصر بعثت حوريا ظئراً من عقلاء النساء الى ذلك القائد جيرون سراً من انداحس تعرفه أنها راغبة في تزويجها إياه، لانها لا تختار أحداً من أهل بيتها، وأنه ان قتل انداحس كيفما أمكنه تزوجته، وسلمت اليه ملك مصر ومنعت منه صاحبه.
فرغب جيرون في ذلك، وفرح به، وأرسل الى انداحس في مضربه، على حسب عادته من اكرامه طعاماً فيه سم فأكله فمات، فأرسل اليها يستنجزها ما وعدته فأرسلت اليه انه لايجوز لي أن اتزوجك، حتى تظهر في بلدي قوتك وحكمتك وتبني لي مدينة عجيبة، وكان افتخارهم حينئذ بالبنيان وإقامة الأعلام والأصنام وعمل العجائب، وقالت له: انتقل من موضعك ذلك الى غربي بلدنا فثم لنا آثار كثيرة فاقتف تلك الآثار من الاعلام وغيرها.
فانتقل الى حيث أمرته وبنى مدينة بصحراء الغرب تدعى أندومه، وأجرى اليها من النيل نهراً، وغرس فيها غروساً كثيرة، وأقام بها مناراً عالياً، وعمل فوقه مجلساً وصفحه بالذهب والفضة والصفر والرخام الملون والزجاج المسبوك.
وأبدع في عمله لأنها امدته بالصناع وبالأموال، وكانت تكاتب صاحبه عنه بما تراه وتهاديه عنه وهو لا يعلم.
فلما فرغ من بنيان المدينة أعلمها بذلك، فأرسلت اليه ان لنا مدينة حصينة كانت لأوائلنا وقد خربت وخرب حصنها، فانتقل اليها، وانظر في بنيانها وإصلاحها وإصلاح حصنها واتقن امورها، وانتقل انا خلال ذلك الى المدينة التي بنيتها وأنقل اليها جميع ما احتاج اليه، فاذا فرغت من اصلاح تلك المدينة أنفذ إلي حينئذ فأسير اليك لأبعد عن مدينتي وأهل بلدي، فاني أكره أن ادخل اليك بالقرب منهم. فمضى حيث امرته وجدّ في اصلاح الاسكندرية الثانية وإليها أمرته أن يمضي، وأهل التاريخ لا يعرفون خبر انداحس،
ويذكرون ان الذي قصد مصر هو الوليد بن دموع العملاقي، وهو ثاني الفراعنة. وأن سبب قصده لها انه اعتل علة طالت به فوجه ثقاته الى كل جهة والى كل مكان ليحمل اليه مياهها حتى يعلم الماء الذي يلائم جسمه منها.
فاتى غلام له مملكة مصر فرأى سعتها وفوائدها وألطافها، فعاد اليه فأعلمه بحالها وجلى له أمرها، وحمل اليه من مائها وغرائبها.
فقصدها في جيش كثيف حتى حط عليها، وكاتب الملكة وخطبها الى نفسه فوجهت اليه من اشرف على حاله فرأى قوماً عظاماً لاتقوم بحربهم؛ فاجابته الى التزويح وشرطت عليه أن يبني لها مدينة عظيمة يظهر فيها قوته، ويجعلها انزالها، فاجابها ودخل مصر وشقها الى ناحية الغرب ليبني المدينة بناحية الاسكندرية، فأمرت بأن يلقى بالرياحين وأصناف الفواكه فمضى الى ناحية الاسكندرية، وقد خربت بعد خروج العادية عنها، فنقل ما وجد فيها من حجارتها ومعالمها، ووضع أساس مدينة عظيمة وبعثت هي اليه مائة الف من الفعلة والخدم فأقام في بنيانها مدة طويلة حتى انفق فيها جميع ما كان معه من المال، وكلما وضع طول يومه من الحجارة في الاساس خرجت في الليل دواب من البحر فقلعته وأخربته وغيرته فكان في ذلك دهراً فاغتم لذلك غماً شديداً وشغله الفكر فيها.
وكانت حوريا أنفذت اليه الف لبون من المعز ليشرب لبنهاويستعمله في مطبخه فدفعها الى راع يثق به، وكان ذلك الراعي يطوف بها ويرعاها فيما هنالك، وكان اذا رجع عند المساء خرجت اليه من البحر جارية حسناء فتتوق نفسه اليها فاذا كلمها شرطت عليه أن يصارعها، فان صرعها كانت له وإن صرعته أخذت من تلك المعز اثنين، ثم يعود يوماً آخر فيحمله حبه لها على الطمع في غلبتها فتصرعه وتأخذ اثنين، فبطول المدة نقصت المعز نحو نصفها، وتغيرت الباقيات منها لشغله بحب تلك الجارية عن الاهتمام برعيها، وتغير الراعي أيضاً في جسمه ولونه، فمر به صاحبه في بعض الايام، فوقف عليه. فلما رأى الراعي متغيراً والمعز عجافا فسأله عن ذلك ورأى قلتها، فسأله عن نقصانها، فوصف له الراعي الأمر على وجهه خوف سطوته، فقال له أي وقت تخرج، قال قرب المساء، فلبس هو ثياب الراعي، وتولى هو بنفسه رعاية المعز يومه إلى المساء.
وخرجت الجارية فعارضها، فشرطت عليه شرطها فأجابها، فلما تصارعا صرعها وقبض عليها وشد وثاقها، فقالت له إن كان ولا بد من أخذي فسلمني إلى صاحبي الأول، فانه ألطف بي وقد عذبته زمانا طويلاً فردها عليه، وقال له إذا خلوت بها فسلها عن هذا البنيان الذي بنيته فيزال من ليلته من يفعل ذلك، فان كان عندها علم منه فسلها إن كان في دفع ذلك حيلة ومضى وتركه معها.
فلما سالها عن ذلك قالت إن في البحر دواب تخرج كل ليلة فتنزع بنيانكم، قال لها فهل في دفع ذلك من حيلة، قالت نعم، فقال وما هي، فقالت أعلمك كلاما تكتبه في قراطيس، وتربطه في حجارة صغار، فيدخل الرجال المصورون في مراكب صغار، ومعهم القراطيس والأنقاس في وسط النهار إلى موضع كذا من البحر، ثم يلقون ويرمون القراطيس المكتوبة في الماء يميناً وشمالاً، ثم يمكثون ساعة فلا تبقى دابة إلا أتت ذلك الموضع ودارت وظهرت فوق الماء، فيصور المصورون مثلها في تلك القراطيس، ويتحرون التشبيه ما قدروا، ويكثرون من تلك التصاوير ما أمكن، ثم يخرجون وتمثل أمثال تلك الصور من الصفر والنحاس والحجارة وتنصب امام البنيان بينه وبين البحر. فان تلك الدواب إذا خرجت ورأت تلك الأشكال هربت، فلم تعد إلى ذلك الموضع وعلمته الكلام حتى حفظه.
فسار الراعي أول الصباح إلى صاحبه فعرفه الخبر، وكتب الكلام، ففعل الملك ذلك فانقطعت تلك الدواب، وتم البنيان، فبنى المدينة وأتمها وأكملها.
" وقال قوم من أصحاب التاريخ إن صاحب البناء والمعز هو جيرون المؤتفكي كان قصدهم قبل الوليد، وأن الوليد أتاهم بعد حوريا فقهرهم وملك مصر ".
وذكروا أن الأموال التي كانت مع جيرون نفذت كلها في تلك المدينة ولم يتم البنيان، فامر الراعي أن يسأل تلك الجارية عن كنوز قريبة منهم، فسألها فقالت ان في موضع كذا من المدينة التي خربت ملعبا مستديرا، حوله سبعة أعمدة على رأس كل عمود تمثال صفر قائم، فقرب لكل تمثال منهاثوراً سميناً وألطخ العمود الذي تحته بدم الثور وبخره بشعرة من ذنبه وشيء من نحاتة قرنه وأظلافه، وتقول هذا قربانك فاطلق لي ما عندك، فاذا انت فعلت ذلك فقس من كل عمود إلى الجهة التي يتوجه اليها وجه التمثال الذي فوقه مائة ذراع واحفر، وليكن ذلك في امتلاء القمر واستقامة زحل، فانك تنتهي إذا نزلت خمسين ذراعا إلى بلاطة عظيمة فألطخها بمرارة الثور وأقلعها فانك تجد تحتها باباً تنزل منه إلى سرداب طوله خمسون ذراعا في آخره باب مقفل ومفتاح القفل تحت عتبة الباب، فخذه والطخ القفل ببقية مرارة الثور ودمه وبخره بشعره وبنحاتة أظلافه وقرنه، وافتح الباب وادخله بعد أن توثق رتاجه فاذا دخلته فانك ترى مستقبلك صنماً من حجر في عنقه لوح صغير معلق من صفر مكتوب فيه جميع ما في الخزائن من مال وجوهر وتمثال وذخيرة ودواء واعجوبة، فخذ منه ما شئت.
وكذلك فافعل بكل عمود وتمثال فانك تجد مثل تلك الخزانة سواء، وهذه نواويس الملوك وكنوزهم، فوصف الراعي لصاحبه جميع ما قالته الجارية، فلما سمع ذلك سر به سروراً عجيباً وعمله أسرع ما أمكنه، فوجد ما لا يدرك وصفه، ووجد من العجائب شيئاً كثيراً فأتم بناء المدينة واتصل ذلك بحوريا فاساءها، وإنما كانت أرادت إتعابه وإشغاله وإذهاب ماله.
ويقال إنه وجد فيها من العجايب درج ذهب مختوم فيه مكحلة زبرجد فيها ذرور أخضر ومعه عرق جوهر أحمر، فمن اكتحل من ذلك الذرور وهو أشيب عاد شابا واسود شعره ولحيته وأضاء بصره حتى يدرك النظر الى الروحانيين.
ووجد تمثال غراب من حجر إذا سئل عن شيء صوت فأجاب عنه، ويقال إنه كان في كل خزانة عشرون أعجوبة.
فلما فرغ من بنيان المدينة وجه اليها يعلمها بذلك ويحثها على القدوم اليه ويتشكى من طول الأمد وكثرة الشقاء له ولأصحابه، فوجهت اليه فرشا فاخرا وقالت افرشه في المجلس الذي تجلس فيه، واقسم جيشك أثلاثا فأنفذ الي ثلثه فأنا ماشية عند وصوله عندي اليك، فاذا وصلت مسافة كذا موضعا عينته له فانفذ إلي الثلث الثاني فاذا بلغت ثلثي الطريق، فانفذ إلي الثلث الثالث ليكون جملته من ورائي لئلا يراني أحد منهم إذا دخلت عليك، ولا يبقى هناك إلا صبية يخدمونك ممن تثق بهم، فأني أوافيك في جوار تكنفك من خدمنا لا احتشم منهم ففعل ما قالت، وجعلت تحمل إليه الجهاز والاموال على كل صنف وفي كل يوم حتى علم مسيرها، فوجه اليها ثلث جيشه، فعملت لهم من الأطعمة والاشربة المسمومة فوق الحاجة.
فلما وصل الجيش اليها اشغلتهم الجواري والولدان بالاطعمة والاشربة والطيب والرياحين فلم يصبح منهم أحد حياً ومن أصبح منهم حياً قتل.
وقد كانت وكلت بهم من جيوشها من يفعل ذلك، ووجهت الى كل جهة من يضبط الطرق ويحرسها حتى لا يصل اليه خبر من ذلك واخذت جميع ماخلفوه ونقلته الى مصر.
وسارت فلقيها الثلث الآخر ففعلت به مثل ذلك وكتبت اليه تعرفه أنها وجهت ما وصل اليها من جيشه إلى مصر ومملكتها في تلك الجهات ليحفظوها خلال كونها عنده.
ثم وصل اليها الثلث الثالث من جنده فجرى أمره مجرى الثلثين الأولين إلى أن وصلت اليه ومعها عسكر مجرد من ثقات رجالها وأعيان جيشها وفرسانها، فلم يشعر إلا وهم قد أحاطوا به في القصر الذي بناه بالاسكندرية، فدخلت عليه هي وظئرها وجواريها معه فنفخت ظئرها في وجهه نفخة ذهب بها لبه ورشت عليه ما كان معها فارتعبت مفاصله وخذلت قوته، وقالت من ظن أنه يغلب النساء فقد كذبته نفسه، وغلبته النساء.
ثم فصدت بعض عروقه وشربت من دمه وقالت دماء الملوك شفاء وقتلته، وأخذت رأسه فوجهت به إلى قصرها ونصبته عليه.
وحملت تلك الأموال إلى منف، وبنت منار الاسكندرية وزبرت عليها اسمها واسمه، وما فعلته به والتاريخ على المنار.
واتصل خبرها بالملوك الذين يتزاحمون على بلادها فهابوها، وخافوا من حيلها واذعنوا لها وهادوها وتصنعوا لها.
وعملت بمصر عجائب كثيرة، وأمرت أن يبنى على حدود مصر من ناحية النوبة حصن وقنطرة يجري النيل من تحتها، فعملت ذلك.
واعتلت حوريا فاجتمع إليها أهل بلدها وسألوها أن تقلد الملك أحداً ترضاه ليكون ملكهم، ولم يكم في ذلك الوقت أحد من ولد ابيها، ولا من أهل بيته يصلح للملك.
فقلدت الأمر إلى ابنة عمها، وملكتها عليهم وهي دليفة ماموم، وكانت جارية عذراء من عقلاء النساء وكبرائهن، فاخذت لها المواثيق من أهل مصر وسائر بلادها، أن لا يسلموها لعدو وأن يمنعوا من يتعرض لها، وسلمت اليها مفاتيح خزائنها وأطلعتها على كنوزها وكنوز آبائها وأمرت إذا ماتت أن يضمد جسدها بالكافور، وتحمل إلى المدينة التي بنيت لها في صحراء الغرب، وقد كانت بنت بها ناووساً عجيباً ونقلت اليه أصناماً للكواكب وزينته بأحسن الزينة وجعلت له خدمة وسدنة، واسكنت تلك المدينة جماعة من الكهنة واصحاب العلوم، واسكنت بها جيشاً يحميها فعمرت تلك المدينة، ولم تزل على حالها من العمارة إلى أن أخربها بخت نصر وحمل بعض كنوزها.
وجلست دليفة على سرير الملك، واجتمع الناس اليها وتألفت كلمتهم عليها وأحسنت إلى الناس ووضعت عنهم كثيراً من الخراج لتلك السنة.
وقام عليها أيمن صاحب الأندلس يطلب ثأر خاله انداحس، واستنصر عليها بملك العمالقة فنصره لمكان انداحس منه. ووجه معه قائداً بجيش كثيف، وبلغ الأمر دليفة، فأخرجت اليه بعض قوادها فالتقوا بموضع يعرف بالعريش، وجعلت سحرة الفريقين يظهرون العجائب العظيمة، ويسمعون الأصوات التي تفزع الأسماع، وتؤلم القلوب، وأقاموا مدة يتواقفون للحرب ثم يتراجعون، فهلك منهم عالم من الناس ثم انهزم اصحاب دليفة الى منف وأيمن في أثرهم.
ومضت دليفة في جمع من جيشها الى ناحية الصعيد، فنزلت بأشمون وأنفذت من قدرت عليه من الجيوش اليهم، فوقعت الحرب معهم بجهات الفيوم.
وضعف أصحاب دليفة عنهم لكثرتهم وشدة صبرهم، فاستنصرت بأهل مدائن الصعيد فحاربوا أصحاب أيمن، فأزالوهم عن منف، وقد كانوا ظفروا بها وعاثوا فيها فهزموهم حتى ركبوا المراكب وعدوا الى ناحية الشمال، وكان معهم ساحر من أهل قفط، فأظهر سحره ناراً أحالت بينهم وبين أصحاب دليفة فانحازوا عنهم واستعدوا، وعادوا لما كانوا فيه من الجد والطلب.
وفزع أهل مصر لطول المدة وعجز الجيوش عن مقاتلتهم، وأشفقوا من خروج مصر من أيديهم، فوجهوا سفراء بينهم على أن يجعلوا البلد قسماً بينهم فأجاب كل واحد منهم الى الصلح.
وأن دليفة بعد إجابتها إلى الصلح غدرت وخالفت، وأخرجت الأموال والجواهر ففرقتها في الناس وقد كان بعضهم لامها في الصلح، فرجعت الى الحرب، واشتد الأمر بين الفريقين ثلاثة أشهر، ثم ظهر.أيمن عليها وهزمها.
ولجأت الى ناحية قوص وسار خلفها وتمكن من المملكة، فلما رأت حقيقة الأمر ونكول جندها وعجز كهنتها وسحرتها وأنها لا بد لها أن تغلب سمت نفسها فهلكت.
وملك بعدها أيمن الملك صاحب الاندلس ملك مصر، فتجبر وعتا وقتل خلقاً ممن كان مع دليفة.
وكان الوليد ين دومع العملاقي قد خرج في جيش عظيم يتنقل في البلدان، يغلب ملوكها ليسكن ما يوافق غرضه منها، ويعتدل حال جسمه فيها على ما تقدم من ذكر علته.
فلما انتهى الى الشام، انتهى اليه خبر مصر وجلالة قدرها، وأن أمرها قد صار الى النساء وباد ملوكها، فوجه اليها غلاماً له يسمى عونا بجيش عظيم، فوصل الى مصر وأيمن ودليفة يقتتلان، ففتحها وحوى أموالها وكنوزها، وغاب خبره عن الوليد، فلم يشك في هلاكه وهلاك الجيش الذي كان معه، لما كان يعلمه من طلاسم مصر ومكر كهنتها.
ثم اتصل به ان عبده قد ملكها، فسار الى مصر وتلقاه العبد وعرفه أنه كان يسير اليه، إنما أخره ما أراد من تعديل الملك وإصلاحه فقبل قوله. ودخل مصر الوليد بن دومع العمالقي وملكها فاستباح أهلها وأخذ أموالها، وتتبع ما أمكنه الوصول اليه من كنوزها، وهبط اليه أيمن بالطاعة من الصعيد ومدنها سامعا له إذ كان عسكره من قبله، ومن أعانه بملكه وجيشه حتى أخذ بثأر خاله انداحس وتم الأمر للوليد على أعظم أمر.

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3] Fasel10
مُختصر كتاب أخبار الزمان
تأليف : المسعودي
منتدى نافذة ثقافية . البوابة

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [3] E110


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 22 سبتمبر 2019 - 2:05