ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5]

avatar
دليل
Admin

المساهمات : 1353
تاريخ التسجيل : 24/02/2014

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] Empty ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5]

مُساهمة من طرف دليل في الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 12:35

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] Alzama11

بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مُختصر أخبار الزمان
تابع ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان
حتى خروج موسى عليه السلام منها

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] 1410
تابع ذكر ملوك مصر بعد الطوفان
تجبر نهراوس فبنى في الجانب الغربي قصورا من رخام، ونصب عليهاأعلاما فكان يغشاها أبداً، ويقيم فيها اياما كثيرة، وكان الخراج في وقته تسعة وتسعين ألف ألف، فامر بالزيادة في طلب العمارات، وطلب وجوه الزيادة فيها من احسن الطرقات لامن رديئها.
وأمر باصلاح الجسور في الجهات، والتحمل في أن يزيد الماء في انبساطه في الأرض، ففعل ذلك كله حتى وافى الخراج مراده وزاد عليه.
وقالت القبط: إن في مدته دخل البلد غلام من الشام له أخوة يحسدونه، فاحتالوا عليه حتى بيع من تجار يقصدون مصر، وكانت قوافل الشام تعرس بمصر بناحية الموقف اليوم، فأوقف الغلام للبيع ونودي عليه، وهو يوسف الصديق عليه السلام، فاشتراه العزيز ليهديه للملك، فلما أتى به إلى منزله رأته زليخا امرأته، وكانت ابنة عمه فقالت له اتركه عندنا نربيه ففعل، وكان من أمره معها وعشقها له ما قصه الله تعالى في كتابه، وكانت تكتم حبها عنه، حتى غلبها الأمر، فتزينت له وجاءته فعرفته عشقها له، وأنها مطاوعة له في كل ما يريده منها، وأنها لا بد لها منه، وحبته بمال عظيم، فامتنع عليها، ولم يجد عنها مهربا، فرامت تقبيله فأبى عليها فهجمت عليه ولم تزل تعاركه وهو يمتنع إلى ان دخل زوجها فوجده هاربا عنها وكان عنينا لايأتي النساء، فقال لهما ما هذا فجعل يوسف عليه السلام يعتذر اليه، وقالت هي كنت نائمة فأتاني يراودني عن نفسي، ففطن أن الأمر كان منها. فقال ليوسف عليه السلام أعرض عن هذا أي عن اعتذارك، وقال لزليخا استغفري لذنبك، فانك قد أخطأت.
واتصل خبر الغلام وجماله بالملك، وأن العزيز ابتاعه له، فلما لم يره سأله عنه انكر المعين أمره وغير له خبره، وغلظ فيه عليه، وثقف الغلام عنده في القصر ومنعه الخروج فنسي خبره.
وكان نهراوس قد عاود الانعكاف على اللذات، والاحتجاب عن الناس لما كان العزيز كفاه من أمر الملك والرعية.
واتصل خبر زليخا مع يوسف عليه السلام بنساء من نساء اصحاب الملك فعيرنها بذلك.
فأحضرت منهن جماعة وعملت لهن طعاماً، فلما أكلنه أحضرت لهن شراباً، وأجلستهن مجلسين مجلساً حذاء مجلس، مذهبين جميعاً، وفرشتهما بالديباج الأصفر المذهب، وأرخت عليهما ستور الحرير والديباج.
وجلسن فيهما للشراب وقدمت بين ايديهن فاكهة كثيرة، وسكاكين أنصبتها من الجوهر، وقالت لهن اقطعن من هذه الفاكهة بهذه السكاكين، ويقال إن الذي كان ينزل بين ايديهن أترج وهو المتكأ، فأمرت المواشط بتزيين يوسف عليه السلام وإخراجه إلى المجلس الذي كانت تجلس هي فيه والنسوة للشراب. وكانت الشمس ذلك الوقت محاذية لذلك المجلس فأخذته المواشط ونظمن شعره باصناف الجوهر. وألبسنه ثوب ديباج اصفر منسوج بدوائر مذهبة.
وفيها صور خضر صفار وعدلن شعره على جبينه إلى قرب حاجبيه ووصلن جبهته، وعقربن على خديه صدغيه، ورددن ذؤابته على صدره ودفعن اليه بمذبة ذهب شعرها أخضر.
فلما فرغ النسوة من أكلهن وجلسن للشرب وأحضرت الفواكه وسقتهن أقداحاً. دفعت اليهن السكاكين، وقالت لهن قد بلغني ما أخذتن فيه من أمري مع عبدي، فقلن لها إن الامر على ما بلغك إلا أنك أعلى عندنا قدراً من هذا. ومثلك يرتفع عن اولاد الملوك لحسنك وشرفك وعقلك، فكيف كنت ترضين بعبدك، قالت لم يبلغكن الصدق عني. ولم ارض لنفسي بذلك، فلو رضيته لكان هو اهلا لذلك، وأشارت إلى المواشط باخراجه، فرفعت ستور المجلس الذي يحاذي مجلسها.
واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده، وهن يرمقنه، محاذيا للشمس فأشرق المجلس وما فيه بوجه يوسف عليه السلام وارسل مع نور الشمس شعاعا فكاد يخطف ابصارهن.
واقبل يوسف عليه السلام والمذبة بيده وهن يرمقنه حتى وقف على رأسها يذب عنها، وهن لايعقلن، وقد وضعن تلك السكاكين على أيديهن وأصابعهن، فقطعنها مكان الفاكهة ولا يشعرن بذلك ولا يجدن ألماً وهي تخاطبهن فلا يفهمن خطابها للذي أدهشهن من النظر إلى وجه يوسف عليه السلام.
فقالت لهن زليخا ما لكن قد اشتغلتن عن فهم خطابي بالنظر إلى عبدي، فقلن معاذ الله أن يكون هذا عبدك أو يكون هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم، ولم تبق منهن واحد الا أنزلت وحاضت من محبته.
فقالت لهن زليخا عند ذلك فهذا الذي لمتني فيه، فقلن لها ماينبغي لأحد أن يلومك بعد هذا، ومن لامك فقد ظلمك فدونكه، وقالت قد فعلت فأبى على فخاطبنه إن قدرتن وأعدنه الخير مني وحذرنه عقوبتي على رده لي، فكانت كل واحدة منهن تدعوه إلى نفسها سراً، وتبذل له ما قدرت عليه وهو يمتنع، فاذا قطعت رجاءها منه لنفسها حينئذ خاطبته عن زليخا، وقالت له مولاتك تحبك وأنت تكرهها، وما ينبغي أن تخالفها وهي تبلغك إلى افضل المنازل، وتعطيك من الأموال والجواهر فوق ما يرضيك، فيقول ما لي بذلك من حاجة، فلما رأين ذلك منه أجمعن على أخذه غصباً، فقالت زليخا ما يجوز ذلك ولايمكن، ولكنه ان لم يفعل لأمنعنه اللذات ولأنزعن عنه جميع ما أعطيته ولأسجننه. فقال يوسف عليه السلام رب السجن أحب إلي مما يدعونني اليه، فأقسمت بالهها وكان صنما من زبرجد أخضر باسم عطارد أنه إن لن يجبها إلى ما تريده لتجعلن له ذلك، وكشفت عن الصنم واستعانته على أمره، ثم أمرت بنزع ثيابه وألبسته الصوف وسألت زوجها أن يحبسه لها ليزول عنها ذكرها به فمال إلى قولها لئلا يظن الناس بأهله القبيح، وعسى أن ينفي عنها القالة بذلك.
فأمر بحبسه فحبس فأقام في السجن بضع سنين ورأى الملك في منامه كأن آتيا أتاه فقال له إن فلاماً وفلانا قد عزما على قتلك وكان صاحبي طعامه وشرابه. وفي غد تقف على أمرهما فلما أصبح قررهما فاعترفا وقيل اعترف احدهما، وأنكر الآخر فامر بحبسهما وكان اسم صاحب الشراب مرطيس.
وكان يوسف عليه السلام براً رءوفا بأهل السجن يصبرهم ويعظهم ويعدهم بالفرج، ويفسر احلامهم إلى أن اخبره صاحب طعام الملك وصاحب شرابه برؤياهما كماجاء به القرآن، فأخرجا من السجن. وكان كما أخبرهما ان قتل أحدهم وهو الذي اقر ونجا الآخر الذي لم يقر وهو صاحب الشراب.
ولما رأى الملك في نومه البقرات والسنابل وأراد أن يعبر رؤياه عرفه الساقي خبر يوسف عليه السلام. فأرسل إليه الى السجن ففسرها له وقيل إن الملك قال للرسول سله عن الرؤيا قبل أن تقصها عليه ففعل فقال الملك عند ذلك فجئني به فرجع الرسول إليه ليخرجه ويحمله إلى الملك فقال له يوسف عليه السلام لست أخرج حتى يكشف الملك عن امر النسوة اللاتي قطعن ايديهن وحبست من اجلهن.
فأمر الملك في الوقت فأحضرت زليخا والنسوة وكشف عن حقيقة الأمر فوقف عليه، وأقرت زليخا والنسوة بما كان منها.
فوجه الملك إليه وأخرج من السجن وغسل من درنه ونظف وألبس من الثيات مايليق به مثله على الملك.
فلما دخل على الملك ورآه امتلأ قلبه من حبه. فانزله وأكرمه وسأله عن الرؤيا ففسرها له كما قال الله عز وجل في كتابه. فقال الملك ومن يقوم بذلك، فقال له يوسف عليه السلام أنا فإني به عليم. فخلع عليه خلع الملك وألبسه تاجا. وأمر أن يطاف به، ويركب الجيوش معه. ويرد إلى قصر الملك، ويجلس على سرير العزيز، فكان ذلك واستخلفه الملك مكانه وسماه العزيز.
وقال قوم كان العزيز قد هلك، فتزوج يوسف عليه السلام امرأته، فلما خلا بها قال لها هذا أفضل مماكنت أردت، فقالت له إن زوجي كان عنينا ولم ترك امرأة في حسنك وهيبتك إلا صبا قلبها إليك فأقام يوسف عليه السلام يدير ملك مصر كيف شاء وجاءت سني الخصب فاخذ يوسف غلاتها فخزن اكثرها في سنابلها، واشترى الغلات الجسيمة، وأكثر غلات الناس، وخزن من ذلك ما لا يحصر قدره.
ثم جاءت سني الجدب وبدأ النيل في النقصان، فكان ينقص في كل سنة اكثر من نقصانه في السنة التي قبلها، فغلا السعر حتى بيع المأكول بالجوهر والمال والثياب والآنية والعقار. وكاد أهل مصر أن يرحلوا عنها لولا تدبير يوسف عليه السلام، وقحط أهل الشام، فكان من قصة إخوة يوسف ما قصه الله تعالى في كتابه.
ووجه يوسف إلى أبيه فحمله إلى مصر وجميع أهله، وخرج في وجوه أهل مصر فتلقاه وأدخله على الملك، فأحبه الملك وعظمه.
فقال له ياشيخ كم سنك، وما صناعتك، وما الذي تعبده، فقال له أما سني فعشرون ومائة سنة، وأما صناعتي فلنا غنم نرعاها فنحن ننتفع بها ونعيش منها، وأما الذي أعبده فرب العالمين، وهو رب آبائي وآبائك وإلهي وإلهك وإله كل مخلوق وخالق كل شيء.
وكان في مجلس الملك كاهن عظيم القدر عندهم، يقال له فيناس، فلما سمع قول يعقوب عليه السلام ضاق به ذرعا، وقال لنهراوس بلغتهم: إنه يجري خراب مصر على يد ولد هذا، فقال له نهراوس: فبين لنا خبره.
قال فيناس ليعقوب عليه السلام: إن كل إله لا تراه العيون فليس بشيء، فغضب يعقوب عليه السلام وقال كذبت أي عدو الله، وطغيت في هذه الدنيا، إن الله تعالى شيء وليس كالأشياء، وهو خالق كل شيء لا إله غيره.قال فصفه لنا، قال إنما يوصف المخلوق لا الخالق عز وجل، لأنه ارتفع عن الصفات، فهو واحد قديم أول أزلي قاض بكل شيء مدبر لكل شيء بلا كيف هو، حاضر في كل مكان لم يعزب عن علمه مثقال ذرة في ظلمات البحر، ولا اعماق الأرض، ولا في اطباق السماوات وهو يرى ولا تراه العيون ولا يحيط به فكر ولا يحويه مكان، وكان قبل المكان والزمان، وخلق المكان والزمان.
ثم قام يعقوب عليه السلام مغضبا ليخرج، فأجلسه الملك وأمر فيناس ان يكف عنه، ويأخذ في غير ذلك، قال كم عدة من دخل معك من الرجال، قال ستون رجلا.
قال فيناس للملك كذلك نجد في كتبنا ان خراب مصر يجري على يد قوم يدخلون مصر في هذا العدد من الشأم من صنف هؤلاء.
قال الملك أيكون ذلك في ايامنا، قال لا ولكن إلى أمد بعيد، ولكن الصواب أن يقتله الملك ولا يستبقي من ذريته أحدا.
قال الملك نهراوس إن كان الأمر كما تقول فلا يمكننا دفعه ولا علينا منه ضرورة إذا لم نخف أن يجري ذلك في مدتنا أن نقتل هؤلاء القوم، وهم يذكرون أمر إله عظيم. وغيرنا ممن يخاف أن يدور ذلك عليه أحق بالنظر فيه، وقد قبل قلبي قول هذا الرجل، وأعجبني امره، وهو شيخ جليل القدر، وليس إلى إذايته سبيل، فخاطبه بألين كلام وناظره إن شاء مناظرتك.
فجرت بين يعقوب عليه السلام وبين فيناس بعد ذلك مخاطبات لين له فيها القول وظهر فيها يعقوب عليه السلام عليه.
أحب يعقوب أن يعرف خبر مصر ومدائنها وعجائبها وسحرها وطلسماتها، فسأل عن قليل ذلك وكثيره فيناس عند خلوته به. واستحلفه بحق فرعون أن لا يكتمه شيئا منه، فوصف له ذلك كله وبينه وشرح غرائبه، حتى لم يخف عن يعقوب عليه السلام شيئا منها.
فأقام يعقوب بمصر ونهراوس يجله ويعظمه إلى ان حضرته الوفاة، فأوصى أن يحمل إلى مكانه من الشام، فجعل في تابوت، وخرج معه يوسف عليه السلام ووجوه أهل مصر حتى بلغوه إلى موضعه، ودفن فيه عليه السلام، وقيل إن عيصو منعه من دفنه هناك لأن إسحق عليه السلام وهبه الموضع، فاشتراه يوسف عليه السلام منه بحكمه، ودفنه فيه.
وأقام يوسف بمصر وولد له فيها، ويقال إن نهراوس آمن بيوسف عليه السلام، وكتم أيمانه خوفا من فساد ملكه.
وملك نهراوس مائة وعشرين سنة، وفي وقته عمل يوسف عليه السلام الفيوم لابنة الملك، وكان أهل مصر قد تنقصوا الملك، وقالوا قد كبر وذهب عقله، فاخبره يوسف عليه السلام، فقال نهراوس ما أبالي ولكني قد وهبت لابنتي ناحية كذا وكذا، وهي مغايض مياه ومروج، وأحب أن أدفع عنها صبيب المياه وأخرج عنها ما حصل فيها حتى ترجع ارضا عامرة مغلة، فاعمل في ذلك واحكم مايمكن.
فخرج يوسف عليه السلام فدبرها وأخرج المياه منها، وقطع مادتها منها، وبنى جسورها وقلع أدغالها وردها ارضاً عظيمة العمارة جسيمة الغلة، وهي أرض الفيوم، وفرغ من ذلك كله في مدة قريبة، فعجب الناس من فطنة الملك وحكمة يوسف عليه السلام.
ويقال أن نهراوس أول من بنى بمصر وبنى اللاهون، وجعل الماء فيه مقسوماً موزوناً، ثم مات نهراوس. واستخلف ابنه دريموس، ويسميه أهل الأثر داروم بن الريان وهو بن الريان وهوالفرعون الرابع عندهم. ولما ملك خالف سنة أبيه، وكان يوسف خليفته، لأن أباه أمره بذلك وأكد عليه فيه، فكان يوسف عليه السلام يسدده فربما قبل منه وربما خالفه.
وظهر في وقته معدن فضة على ثلاثة أميال من النيل، فأثار منه شيئاً عظيماً، وعمل منه صنماً على اسم القمر، لأن طالعه كان على السرطان، ونصبه على قصر الرخام الذي كان ابوه بناه في شرقي النيل.
ونصب حوله أصناماً كلها من فضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيداً في كل شهر، وهوإذا دخل القمر بالسرطان.
وكان ينتقل إلى مواضع شتى يتنزه، وكلما أراد أن يضر الناس منعه يوسف عليه السلام من ذلك ودفعه عن رأيه بأي وجه أمكنه، إلى ان مات يوسف عليه السلام وله مائة وثلاث وعشرون سنة، فأمر به داروم فكفن في ثياب الملوك، وجعل في تابوت رخام، ودفن في الجانب الغربي من النيل وخصب، ونقص الجانب الشرقي.
فاخرج تابوته من الجانب الغربي ونقل إلى الجانب الشرقي فدفن فيه ونقص الجانب الغربي.
فاتفق رايهم أن يجعلوه في الجانب الغربي سنة وفي الشرقي سنة، ثم حدث لهم من الرأي أن شدوا حول التابوت حلقا من النحاس وثاقا ثم ربطوه بحبال وشدوه شدا وثيقا محكما ولووه لويا وثيقا ثم دلوه في وسط النيل، وتركوه هناك فأخصب الجانبان جميعاً.
وقيل إن داروم استوزره بعد بلاطس الكاهن، فكان بلاطس يطلق له ما كان يوسف عليه السلام منعه عنه، وعمله على أذى الناس وأخذ أموالهم، فبلغ منهم من ذلك مبلغاً كبيراً.
فكان لايسمع بامرأة حسناء إلا وجه إليها فحملت إليه. وفشا ذلك في المملكة وأضطرب الناس من فعله.
فخاف بلاطس ان يفسد أمن المملكة، ويتلف الملك من فعله، فدخل اليه وأشار عليه أن يتودد الى الناس، ويعتذرمنهم ويرد نساءهم، فأمره الملك أن ينادي في الحضورثم لبس افخر ثيابه، ودخل الناس اليه فشكوا اليه ما حل بهم، فاعتذر اليهم وأسقط عنهم خراج ثلاث سنين.
ثم أمر بعمل قصر من خشب فيه عجائب كثيرة، وكان يركب فيه هو ونساؤه وحشمه، ورجع إلى ما كان عليه من ابتزاز النساء، ونهب الأموال، واستخدام الأشراف والوجوه، من القبط من بني إسرائيل. إلى أن ركب في ذلك القصر يوماً، فلما كان في بعض الليالي وقد أحدق النيل بالبلد، وكان الماء من الجبل الى الجبل، وامتد القمر على الماء وهو في قصره الخشب، فأراد أن يعدي من العدوة إلى العدوة الأخرى، فلم يتهيأ له سوق القصر بسرعة لعظمه، فركب مركباً لطيفاً مع ثلاثة نفر من خدمه وامرأة أبيه الساحرة.
فلما توسط البحر هاجت ريح عاصفة فانقلب المركب وغرق هو ومن معه، وأصبح الناس شاكين في أمره إلى أن وجدت جثته بشطنوف فعرف بخاتمه، وبجوهر كان يتقلد به، فحمل إلى منف.
وقدم الوزير ابنه معازيوس وأجلسه على سرير الملك، وكان صبياً فبايع له الجيش وأسقط عن الناس الخراج الذي كان أبوه أسقطه وزادهم سنة وضمن لهم الاحسان فأطاعوه ورد نساءهم، وهو خامس الفراعنة، وكان في زمنه طوفان آخر ببعض البلد.
وكان وزير أبيه قد هلك، فاستوزر كاهناً يقال له أملادة فلما رأى من الاسرائيليين ما فعلوه أنكره، وأشار أن يفرد لهم من البلد مكانا لئلا بهم يختلط غيرهم، فأقطعوا موضعاً من قبلي منف، وعملوا لأنفسهم متعبداً كانوا يتلون فيه صحف إبراهيم عليه السلام.
وان رجلاً من أهل بيت المملكة عشق امرأة من الاسرائيليين، وأراد أن يتزوج، فأبوا عن ذلك.
وتغلب احد ملوك الكنعانيين على الشام وامتنع أهله ان يحملوا الضريبة إلى ملك مصر، وأقبل على ملازمة الهياكل والتعبد فيها، فأعظم الناس أمره فتجبر في نفسه، وأمر الناس ان يسموه رباً، وترفع أن ينظر في شيء من أمر المملكة، فجمع الناس وقال لهم قد رأيت أن أجعل امر الملك إلى ابني اقسامس وأكون من ورائه إلى أن يغيب شخصي عنكم كما وعدت، فرضوا ذلك، وقالوا الأمر أمر الملك ونحن عبيده، ومن رضيته الآلهة فحكم الخلق أن يرضوه ولا يخالفوه.
فأقام ابنه أقسامس الملك، وجلس أقسامس على سرير الملك، وتوج بتاج أبيه وأقام الناظرون بين يديه ورتب الناس مراتبهم، وقسم الكور والاعمال، وأمر بأبساط العمارات، وأوسع على الناس في أرزاقهم، وعلا أمره وطال ملكه، وعمل مدنا كثيرةأسفل الأرض وعجائب كثيرة يطول ذكرها ويقال إن بخت نصر لما ظفر بمصر أخذ من عمله عجائب كثيرة، فأقام أول ولايته سبع سنين باجمل أمر وأصلح حال.
ومات وزير أبيه فاستخلف رجل من بيت المملكة، يقال له طلما بن قومس، وكان شجاعاً ساحراً كاهناً كاتباً حكيماً ذهنياً متصرفاً في كل فن.
فصلح أمر المملكة بمكانه واحبه الناس، فعمل معالم كثيرة وعمر الخراب، وبنى مدنا، ورأى في نجومه أنه سيكون جدب وشدة، فاستعمل ما استعمله نهراوس الملك وقد تقدم ذكره.
وبنى الهياكل، وقيل إن منارة الاسكندرية بنيت في زمانه، وفي زمانه هاج البحر المالح فغرق كثير من القرى والأخبية والمصانع.
وحكي أن أقسامس تغيب عن الناس مدة، وقيل مات وكتموا موته، وكان ملكه إلى أن غاب عنهم إحدى وثلاثين سنة، وأقاموا إحدى عشرة سنة يدبر ملكهم طلما الكاهن.
ولما افتقد الناس الملك اضطربوا وتغيروا على طلما، واتصل بهم أنه سمه وقتله، فقالوا لا بد لنا من النظر إلى الملك؛ فعرفهم أنه قد تخلى عن الملك وولى ابنه لاطس، فما قبلوا منه، وأمر الجيش فركبوا في السلاح.
وكان لاطس الملك جلس على سرير الملك ولبس التاج وكان جريئاً معجباً خلقا، فوعد الناس جميلا وقال أنا مستقيم لكم ما استقمتم، وإن ملتم عن الواجب ملت عنكم، وألزم الناس اعمالهم، وحط جماعة من الوجوه عن مراتبهم، وصرف طلما بن قومس عما كان عليه من خلافته.
واستخلف رجلاً يقال له لاهوق من ولد صا الاكبر بن تدارس، ودفع اليه خاتمه، وكان كاهناً وأنفذ طلما عاملاً على الصعيد، وأنفذ معه جماعة من الاسرائليين، وجدد بناء الاعلام وأصلح الهياكل، وبنى قرى كثيرة، وأثيرت في وقته معادن كثيرة وكنوز.
وكان محباً للخلق ثم تجبر وعلا، وأمر أن لا يجلس أحد في قصر الملك لا كاهن ولاغيره، بل يقومون على ارجلهم إلى ان ينصرفوا، وزاد في أذى الناس والعنف بهم، ثم جمع أموالهم وكنزها، وطلب النساء فابتز منهن خلقاً كثيراً، وقصد الناس بسطوته وفظاظته.
واستعبد بني اسرائيل، وقتل جماعة من الكهنة فبغضه الخاص والعام، ثم حشد عليه طلما الذي صرفه وولاه الصعيد فجاءه بجيش كثيف، وخرج اليه بلاطس الملك، فحاربه طلما فظفر ببلاطس وقتله، وسار حتى دخل منف فعاث فيها ونزل قصر المملكة طلما بن قومس، فجلس على سرير الملك وحاز جميع ما كان في خزائنهم فهذا الذي تذكر القبط أنه فرعون موسى صلى الله عليه وعلى نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
وأما أهل الأثر فيزعمون انه الوليد بن مصعب، وأنه من العمالقة وذكروا ان الفراعنة سبعة.
وكان طلما فيما يحكى عنه قصيراً طويل اللحية، أشهل العينين صغير العين اليسرى، في جبينه شامة، وأنه كان أعرج.
وزعم قوم انه كان لقيطاً، والدليل على ذلك ميله اليهم ونكاحه فيهم، ولما جلس في الملك اضطرب الناس عليه، فبذل الأموال ورغب من أطاعه، وقتل من خالفه فاعتدل أمره. وكان أول ما عمله أن رتب المراتب وشيد الأعلام وبنى المدن، وخندق الخنادق، وعمل بناحية العريش حصناً، وكذلك على حدود مصر، واستخلف هامان وكان يقرب منه في نفسه.
وأثار بعض الكنوز وصرفها في بناء المدائن والعمارات، وحفر خلجاناً كثيرة، ويقال أنه الذي حفر خليج سودوس، فكان كلما عرجه إلى قرية من قرى الحوف حمل اليه أهلها مالا، فاجتمع من ذلك شئ كثير، فأمر برده على أهله.
وبلغ الخراج في وقته سبعاً وستين ألف ألف، وكان ينزل الناس على منازلهم وهو أول من عرف العرفاء على الناس.
وكان ممن صحبه من الاسرائيليين رجل يقال له إمرى وهو عمران أبو موسى عليه السلام، فجعله حرساً لقصره يتولى حفظه وإغلاقه بالليل. وكان قد رأى في كهانته أنه يجري هلاكه على يد مولود من الاسرائيليين فمنعهم المناكحة ثلاث سنين لأنه رأى أن ذلك المولود يكون فيها، وأن امرأة إمرى يعني عمران أتته بعض الليالي بشيءأصلحته له فواقعها فحملت بهارون، ثم واقعها في السنة الثالثة فحلمت بموسى عليهما السلام، فرأى في كهانته أنه قد حمل بذلك المولود، فأمر بذبح المولودين الذكور من بني إسرائيل، ولم يتعرض لأمرى لقربه منه، ولحراسته قصره.
الا أن موسى كان من أمره ما قصه الله عز وجل في كتابه من أمر التابوت وقذف أمه في النيل إلى أن صار الى تحت قصره، وأخذ امرأته له واسترضاعها لأمه.
وامتنع فرعون من قتله إلى أن كبر وعظم شأنه، ورد فرعون كثيرا من أمره وجعله من قواده، وكانت له سطوة، ثم وجهه لغزو الكوشانيين، وكانوا قد عاثوا في أطراف مصر، فخرج في جيش كثيف ورزقه الله الظفر، فقتل منهم خلقاً وأسر خلقاً وانصرف غانما سالماً، فسر به فرعون وامرأته.
فاستولى وهو غلام على كثير من أمر فرعون، وأراد أن يستخلفه حتى قتل رجلاً من أشراف القبط، وكان يقرب من فرعون فهرب منه.
وخرج الى ناحية مدين، وتزوج ابنة ثيرون، وهوشعيب عليهما السلام علىان يرعى غنمه وأنسأه بأجلين فقضى أتمهما وأرسله الله الى فرعون.
وولدت امرأته فذهب يقتبس لها ناراً، فكلمه الله تعالى في جبل الطور، وقال له: أمض الى فرعون، وايده باخيه فترك امراته محلهاومضى لرسالة ربه.
وولدت امرأته فأرسل الله تعالى جبريل بما يصلحها من آلة الولادة وختن ابنها، وكانت الغنم تغدو من عندها وترجع اليها بغير راع.
وحمل جبريل عليه السلام الغلام حتى أراه موسى وهو سائر الى مصر فقبله، وتفل في فيه ورده الى امه، ومر بها رجل من آل شعيب فردها الى مدين، وصار موسى إلى مصر ولقي اخاه هارون ولم يثبته لطول غيبته، وكان يغتسل على شاطىء النيل، فاستضافه فأضافه وأطعمه جلبانا مطبوخاً قد ثرد فيه ثريد، وتعارفا وسر بعضهما ببعض وعرفه ان الله عز وجل أرسله ونبأه هو واخوه، وجعله له عضداً.
وغدوا الى فرعون وأقاما اياما، وعلى كل واحد منهما جبة صوف، ومعه عصاه التي أخذها من شعيب عليه السلام ومنها كانت احدى آياته، فكانا يأتيان في كل يوم ويجلسان ببابه فلا يصلان الى فرعون لشدة حجابه، الى ان دخل اليه مضحك كان له فعرفه حالهما، وقال بالباب رجلان يطلبان الاذن عليك، ويزعمان أن إلههما أرسلهما اليك، فأمر بإدخالهما وخاطبه موسى وأراه آية العصا، وآيته في بياض اليد، وهما آيتان من تسع، وكان من خطابه إياه ماقصه الله تعالى في كتابه.
فغاظ فرعون أمره وهم بقتله فمنعه الله تعالى منه وشغله عنه، ورأى طلما فرعون كأن على صورة غمامة قد اقبلت، فمسحت على عيونهم فعموا.ثم أمر قوما آخرين بقتله، فرأى كأن ناراً قد أتت فاحرقتهم، فازداد عليه غيظاً، وقال له من أين لك هذه النواميس العظام? أسحرة بلدي علموك هذا، أم تعلمته بعد خروجك من عندنا? قال هذا من ناموس السماء، وليس من نواميس الأرض.قال ومن صاحبه? قال صاحب البنية العليا، قال بل علمتهامن بلدي؛ وأمر بجمع السحرة والكهنة واصحاب النواميس فقال أخرجوا عليّ أرفع اعمالكم، فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جداً، فعرضوا عليه اعمالهم فسره ذلك، وأحضره وقال له فقت على سحرك وعندي من يوفي عليك، فواعدهم يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم، على ان من غلب منهما اتبعه الاخر، وكان جماعة من أهل البلد اتبعوا موسى صلىالله عليه وسلم وكانت السحرة مائة الف وأربعين ألفاً، فعملوا من الاعمال ما يرىالوجوه ملونة ومشوهة، ومنها الطويل ومنها العريض، ومنا المقلوب جبهته إلى اسفل ولحيته الى فوق، ومنهاما له قرون ومنها ما هو عظيم على قدر الترس ومنها ما له آذان عظام، ومنها ما يشبه وجوه القرود.
وفي كل فن وفي كل صورة، وأجساماً عظاماً ما تبلغ السحاب، وحيات عظيمة بأجنحة تطير الى الهواء، ويرجع بعضها على بعض.
وحيات يخرج من أفواهها نار يخيل للعالم انها تكاد تحرقه، وحيات برءوس وشعور، وأذناب فيها رءوس، وتماثيل في طرق الشياطين. ثم عملوا دخاناً يغشى أبصار الناس، فلا يرى بعضهم بعضاً، ودخاناً يظهر صوراً مثل النيران في الجو، على دواب مثل ذلك يصدم بعضها بعضاً، وتسمع لها قعاقع وضجة، وصوراً اخرى على دواب خضر، وصوراً سوداً على دواب سود.
فلما رأى فرعون ذلك سر هو وجماعته ممن حضر معه، وأغتنم موسىصلى الله عليه وسلم، ومن كان آمن به وكفر بفرعون خوفا على فتنة الناس بذلك وضلالهم.
وكان للسحرة ثلاث رءوس، فلما رأى موسى صلوات الله عليه ذلك وضاق به ذراعا أتاه جبريل عليه السلام، وقال له لا تخف إنك انت الأعلى وألق ما في يمينك، فسر بذلك موسى عليه السلام، وطمع في إيمان الناس وسكن خوفه فأسر إلى عظماء السحرة وقال قد رأيت ما صنعتم، فان قهرتكم أتؤمنون بالله ? قالوا نشهد لنفعلن، فرآه فرعون، وقد اسر اليهم فغاظه وهم بمعاجلة الجميع، ثم توقف ليعلم آخر القضية، والناس يهزؤون منه ومن أخيه وعليهما دراعتان من صوف، وقد احتزما بالليف، ومع موسى عليه السلام عصاه.
فسمى موسى عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم ثم حلق العصا ورفعها في الجو ورفعها جبريل عليه السلام حتى غابت عن عيونهم، ثم اقبلت في صورة ثعبان عظيم له عينان كالترس تتوقدان ناراً، وتخرج من فيه ومن منخره، وهو يزيد غضباً لله تعالى فلا يقع من زبده شيء على أحد إلا أبرصه وبرصت من ذلك ابنة فرعون والثعبان فاتح فاه.
وذكر أن امه كانت حاضرة قريبا منهم، فابتلع الثعبان جميع ما عملته السحرة ومائتي مركب كانت مملوءة عصيا وحبالا، وجميع من كان فيها من الملاحين.
وكان في النهر الذي يتصل بدار فرعون عمد كبيرة وحجارة، وكانت قد حملت إلى هناك ليبنىبها، وأقبل الثعبان إلى قصر فرعون ليبلعه، وكان في قبة له على جانب القصر يشرف على عمل السحرة، فوضع الثعبان نابه تحت القصر، ورفع بابه الآخر إلى اعلى القبة ولهب النار يخرج من فيه، وقد احرق مواضع من القصر، فصاح فرعون عندذلك، واستغاث بموسى صلى الله عليه وسلم فزجره فعطف على الناس ليبتلعهم، وبلع بعضهم فسقط بعضهم على وجوه بعض.
وذهب ليبتلعهم فأمسكه موسى عليه السلام، وعاد في يده عصا كما كانت ولم يروا لتلك المراكب أثرا، وكان فيها من الحبال والعصي والناس والأعمدة والحجارة وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه ترابا.
فلما رأى السحرة ذلك، ولم يروا لتلك الأعيان اثرا قالوا ما هذا عمل الآدميين ! وانما نصنع مخاييل لا تغيب عن الأعيان، فقال لهم موسى أوفوا بوعدكم وإلا سلطته عليكم فيبتلعكم كما ابتلع غيركم.
فعندها آمن السحرة بموسى عليه السلام، وجاهروا فرعون، وقالوا هذا من فعل إله السموات وليس من فعل إله الارض.فقال فرعون قد علمت أنكم واطأتموه علي وعلى ملكي حسدا منكم لي، وأمر مثل ذلك، وجاهره فقطعت ايديهم وأرجلهم من خلاف.
وكانوا يرون مساكنهم من الجنة قبل أن يموتوا، وجاهرته امرأته ففعل بها المؤمن ففعل به مثل ذلك.
وكان الروحاني قد قال له إني رب السماء وأنت رب الأرض قد استخلفتك فيها، فأنت رب كل من سكنها من الخلق، فتجبر وادعى الربوبية وشق الانهار وغرس الأشجار. فلما كان من امر موسى عليه السلام ما كان، فسد ذلك الروحاني وسقطت الطلسمات، وبعض الهياكل والمنارات وخرت الأصنام على وجهها، وعلت آيات موسى، وبطل ما كان من الطوفان والجراد والقمل والضفادع، فتحول ماؤهم دما، فكانت الاسرائيلية تسقي القبطية من فمها ماء فيعود في فم القبطية دما عبيطا، وتعض على الرغيف لتأكل منه فتعض على الضفدع، واتلف الجراد والقمل جميع زروعهم، وهدم الماء ابنيتهم، وبعض منازلهم وتبين للناس أنه لا ينفعهم.
وضاق صدر فرعون من ذلك فرجع إلى مداراة موسى عليه السلام، ووعده أن يستخلفه على ملكه، وأشار عليه هامان والكهان أن لا يفعل. ثم أمر الرعية أن يقتلوا موسى، فخرج جماعة إلى الموضع الذي فيه لذلك، فأتت نار فأحرقتهم. ورأى فرعون كأنه أخذ برجليه، ونكس على رأسه في حظيرة نار، وكأنه يستغيث، ويقول إني لمؤمن بموسى وربه فخلوا عنه، فدعا هامان وعرفه ذلك، وقال له لم يبق بعد هذا شيء، وأريد أن أمن بموسى، فقال له هو الذي عمل لك الرؤيا ليهولك، فتريد أن تكون عبداً بعد ان كنت رباً! وتستخف بك رعيتك، وتسلب ملكك! قال فتلطف به وبعد ذلك منعه منه، وكان يبعث اليه سرا ويستنظره، فلما تم الأجل ولم يفعل فرعون شيئاً كثر البلاء عليهم وتهدمت منازلهم وفسدت زروعهم وكثرت الآيات في منازلهم وكان الناس قد خافوا موسى وهابوه، وكانوا يؤمنون به سرا، فمن آمن به زال عنه الأذى.
فلما زاد الأمر على فرعون أحضر موسى وقال له إن أجبتك ما لي عندك? قال أردد شبابك، وأضعف عمرك، وآمنك من جميع العلل، ومن زوال ملكك، وأعلي يدك على من ناوأك من الملوك، وأكثر فيك نشاطك، واكلك وشربك.
قال له فرعون إن فعلت ذلك فقد أنصفت فانظرني إلى غد، ثم شاور هامان فمنعه، وقال له نموت غدا أصلح لنا، قال فلما بئس منه قال فأطلق لي بني إسرائيل قال انما تريد اخراجهم من بلدي لتكون عليهم أميراً ملكا، وانا انتفع بخدمتهم، وهذا حسد منك لي.
قال له موسى عليه السلام فأنتقل على ان لاتدعي الربوبية، قال اذاً أنقص من أعين الناس، قال فان الله سيهلكك ويهلك قومك، وتصير ارواحكم إلى نار حامية، قال فإني أفعل ذلك معك سرا ولا افعله جهراً، وأقرب للآلهة القرابين العظام.
قال موسى عليه السلام إن إلهي لا يرضيه إلا أن يؤمن به الناس أجمعون، فأما أن تؤمن به وحدك سرا دون الناس، فلا يرضيه ذلك ولا يقبله منك سرا حتى تظهره.
قال وإن لم تفعل ذلك فان الله مهلكك واهلك، وعلامة هلاكك أن لا يبقى لك هيكل إلا تهدم ولاصنم إلا خر، وقد خالفت ما دعوتك اليه مراراً كثيرة، وأنا احذرك الخلاف، وإن الله سيعجعل لك العقوبة ولا ينظرك.
ثم إن فرعون طول مطل موسى عليه السلام بما وعده في امر بني إسرائيل، ولم ينجزه، ورأى موسى عليه السلام أنه لا يرجع إلى خير ولا ينفع فيه وعظ، وخاف أن يفجأ بني إسرائيل بايذاء كثير، فعزم على الخروج عنه ببني إسرائيل.
وحضر لبني إسرائيل عيد كانوا يجتمعون فيه، فأمر موسى عليه السلام نساء بني إسرائيل أن يستعرن حلى نساء القبط، ويأخذن منه ما يقدرن عليه من ثيابهن، ويتزين به في عيدهن، ففعلن ذلك، ثم دعونهن في عيدهن فأكلن معهن وشربن.
وكان موسى عليه السلام ابعدهم قليلا إلى المشرق، وأمرأن يبعدوا هنالك، فلما أكلوا وشربوا ألقى الله تعالى على القبطيين رجالا ونساء السبات حتى منعهم من كل شيء.
ثم سار موسى عليه السلام بجميع بني إسرائيل من أول الليل، وكان عددهم ستمائة ألف وأربعين ألفا ونيفا. وأخرجوا تابوت يوسف عليه السلام من النيل وحملوه معهم، دلتهم على موضعه عجوز مؤمنة من القبط، ومضت معهم.
فسار ببني إسرائيل إلى ناحية بحر القلزم ليخفي آثارهم، فلما كان من آخر الليل عرف فرعون بخروجهم، وما فعلوه بنساء القبط من إعارة حليهن إلى الاسرائيليات ودعائهن به، فجلس لوقته ونادى في الناس، فلما اجتمعوا أمرهم أن يتأهبوا للركوب في آثارهم وأجلهم ثلاثة أيام.
وخاطب كل من قرب منهم وبعد من جيوشه وحشوده أن لا يتأخروا عن لحاقه طرفة عين، فلم أصبح في اليوم الرابع ركب الناس، وركب معهم يتقدمهم واتبعوا آثار بني إسرائيل، ولم يبق أحد من اولاد الملوك ولا من أتباعهم ولا من فيه فضل إلا سار معه، فيقال إنه كمل عددهم، وزاد على موسى عليه السلام ستة آلاف ألف.
فلم يمر موسى عليه السلام بعلم من أعلامهم إلا سقط، ولابصنم إلا سقط لوجهه، وساروا مقربين حتى لحقوهم على ساحل البحر.
فلما أحس موسى عليه السلام بهم، قال لأخيه هارون تقدم إلى البحر وكنه بأبي العماس، ومره ان يكف عنا موجه، ويسكن عنا حركته، حتى أصل أنا ومن معي.
فمضى هارون لذلك، وركب موسى عليه السلام، فلما وقف موسى على البحر ضربه بعصاه فانشق لوجهه، وظهرت فيه اثنتي عشرة طريقة، فدخل كل سبط على طريق، وجعل بينهم طاقات رقيقة من الماء ليرى بعضهم بعضا، فدخل القوم، ودخل موسى عليه السلام في آخرهم.
فلما رآهم في البحر هم بتركهم خوفا من البحر، فأقبل جبريل عليه السلام بفرس بلقاء، فدخل في أثرهم، فلما رآها فرس فرعون اقتحم به في اثرها، فلم يقدر فرعون على إمساكه، لأنه كان حصانا، وقد كان طال عمره.
فلما دخل فرعون اتبعه قومه عن آخرهم، فلم يبق في البر احد منهم فتوسطوا البحر، وقد خرج موسى عليه السلام ومن معه من الناس، فامر الله تعالى جل جلاله جبريل عليه السلام أن يطبق البحر على فرعون وقومه ففعل.
فلما رأى ذلك فرعون قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولم يقلها صحيح النية. فلما سمعه جبريل عليه السلام رجمه بكف من الحمأة ضرب بها وجهه، وسد بها فاه، خوفا أن يرحمه الله تعالى بذلك القول.
فغرق الجميع ولم يفلت منهم أحد، وحملت أرواحهم إلى النار، ولما هلكوا طرح الله تعالى جملة منهم على عبر البحر، منهم فرعون في موضع مرتفع من الارض، حتى رأوه وعرفوه وبين الله ذلك في كتابه الكريم الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تم وكمل كتاب أخبار الزمان وما أباده الحدثان وعجائب البلدان، والغامر بالماء والعمران، بمعونة الله وقوته، فله الحمد والشكر على ما أولى من النعم الجسام والبر والأنعام. على يد أضعف عباد الله وأحوجهم إلى الرحمة والمغفرة والرضوان عبد الرحمن بن محمد بن محمد البصري سامحه الله وغفر له ولوالديه، ولمن كان السبب في كتابته ولمن قرأ فيه ولجميع المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.
ووافق الفراغ في نسخه يوم الجمعة تاسع عشر جمادى الأولى أحد شهور سنة اثنين وثمانين وثمانمائة أحسن الله علي بها.
والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله آمين آمين آمين وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم استغفر الله الكريم.

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] Fasel10
تم مُختصر أخبار الزمان للمسعودي
منتدى نافذة ثقافية - البوابة
ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] Fasel10
والحمد لله رب العالمين
وصلّى الله على سيدنا محمد وآله

ذكر عجائب مصر وملوكها بعد الطوفان [5] 1410


    الوقت/التاريخ الآن هو الأحد 22 سبتمبر 2019 - 2:10