بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
هديه صلى الله عليه وسلم
فى الوضوء والصلاة


مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة والعصمة الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وبعد فإن الله هو المتفرد بالخلق والاختيار قال الله تعالى (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) والمراد بالاختيار الاجتباء الاصطفاء وقوله ما كان لهم الخيرة أي ليس هذا الاختيار إليهم فكما أنه المتفرد بالخلق فهو المتفرد بالاختيار فإنه اعلم بمواقع اختياره كما قال تعالى (الله اعلم حيث يجعل رسالته) وكما قال (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات) فأنكر سبحانه عليهم تخيرهم وأخبر أن ذلك الى الذي قسم بينهم معيشتهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات وقوله (سبحان الله وتعالى عما يشركون) نزه نفسه عما اقتضاه شركهم من اقتراحهم واختيارهم ولم يكن شركهم متضمنا لإثبات خالق سواه حتى ينزه نفسه عنه والآية مذكورة بعد قوله (فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين) وكما خلقهم اختار منهم هؤلاء وهذا الاختيار راجع الى حكمته سبحانه وعلمه بمن هو أهل له لا الى اختيار هؤلاء واقتراحهم وهذا الاختيار العام من أعظم آيات ربوبيته وأكبر شواهد وحدانيته وصفات كماله وصدق رسله ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء الى صراط مستقيم " وكذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم واختياره الرسل منهم واختياره أولي العزم منهم وهم الخمسة المذكورون في سورتي الأحزاب والشورى واختياره منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا صلى الله عليهما وسلم أجمعين ومن هذا اختياره سبحانه ولد اسمعيل من أجناس بني آدم ثم اختار منهم بني كنانة من خزيمة ثم اختار من ولد كنانة قريشا ثم اختار من قريش بني هاشم ثم اختار من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا صلى الله عليه وسلم واختار أمته على سائر الأمم كما في المسند عن معاوية بن حيدة مرفوعا " أنتم توفون سبعين أمة انتم خيرها وأكرمها على الله " وفي مسند البزار من حديث أبي الدرداء مرفوعا " إن الله سبحانه قال لعيسى بن مريم إني باعث بعدك أمة أن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا ولا حلم ولا علم قال يا رب كيف هذا ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي ".
فصل اختص الله نفسه بالطيب
والمقصود أن الله اختار من كل جنس أطيبه فاختصهم لنفسه فإنه سبحانه وتعالى طيب لا يحب إلا الطيب ولا يقبل من القول والعمل والصدقة إلا الطيب وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته فإن الطيب لا يناسبه إلا الطيب ولا يرضى إلا به و لا يسكن إلا اليه ولا يطمئن قلبه إلا به فله من الكلام الكلام الطيب الذي لا يصعد الى الله الا هو وهو أشد نفرة عن الفحش في المقال والكذب والغيبة والنميمة والبهت وقول الزور وكل كلام خبيث وكذلك لا يألف من الأعمال إلا أطيبها وهي التي أجمعت على حسنها الفطر السليمة مع الشرائع النبوية وزكتها العقول الصحيحة مثل أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤثر مرضاته على هواه ويتحبب إليه بجهده ويحسن الى خلقه ما استطاع فيفعل بهم ما يحب أن يفعلوه به وله من الأخلاق أطيبها كالحلم والوقار والصبر والرحمة والوفاء والصدق وسلامة الصدر والتواضع وصيانة الوجه عن بذله وتذلله لغير الله وكذلك لا يختار من المطاعم إلا أطيبها وهو الحلال الهنيء الذي يغذي البدن والروح احسن تغذية مع سلامة العبد من تبعته وكذلك لا يختار من المناكح إلا أطيبها ومن الأصحاب إلا الطيبين فهذا ممن قال الله فيهم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون والذين تقول لهم خزنة الجنة سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وهذه الفاء تقتضي السببية أي بسبب طيبكم فادخلوها وقال تعالى الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ففسرت بالكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين والكلمات الطيبات للرجال الطيبين وفسرت بالنساء الطيبات للرجال الطيبين وبالعكس وهي تعم ذلك وغيره والله سبحانه جعل الطيب بحذافيره في الجنة وجعل الخبيث بحذافيره في النار فدار أخلصت للطيب ودار أخلصت للخبيث ودار مزج فيها الخبيث بالطيب وهي هذه الدار فإذا كان يوم المعاد ميز الله الخبيث من الطيب فعاد الأمر الى دارين فقط والمقصود أن الله جعل للشقاوة وللسعادة عنوانا يعرفان به وقد يكون في الرجل مادتان فأيهما غلبت عليه كان من أهلها فإن أراد الله به خيرا طهره قبل الموافاة ولا يحتاج الى تطهيره بالنار وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه فيدخله النار طهرة له وإقامة هذا النوع فيها على حسب سرعة زوال الخبائث وبطئها ولما كان المشرك خبيث الذات لم تطهره النار كالكلب إذا دخل البحر ولما كان المؤمن طيبا بريئا من الخبائث كانت النار حراما عليه إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره فسبحان من بهرت حكمته العقول.
فصل في وجوب معرفة هدي الرسول
ومن هاهنا يعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة الى معرفة الرسول وما جاء به فإنه لا سبيل الى الفلاح إلا على يديه ولا الى معرفة الطيب من الخبيث على التفصيل إلا من جهته فأي حاجة فرضت وضرورة عرضت فضرورة العبد الى الرسول فوقها بكثير وما ظنك بمن إن غاب عنك هديه وما جاء به طرفة عين فسد قلبك ولكن لا يحس بهذا إلا قلب حي وما لجرح بميت إيلام وإذا كانت السعادة معلقة بهديه صلى الله عليه وسلم فيجب على كل من أحب نجاة نفسه أن يعرف هديه وسيرته وشأنه ما يخرج به من خطة الجاهلين والناس في هذا بين مستقل ومستكثر ومحروم والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الوضوء
كان صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة في غالب أحيانه وربما صلى الصلوات بوضوء واحد وكان يتوضأ بالمد تارة وبثلثيه تارة وبأزيد منه تارة وكان من أيسر الناس صبا لماء الوضوء ويحذر أمته من الإسراف فيه وصح عنه أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وفي بعض الأعضاء مرتين وبعضها ثلاثا وكان يتمضمض ويستنشق بغرفة وتارة بغرفتين وتارة بثلاث وكان يصل بين المضمضة والاستنشاق وكان يستنشق باليمين وينتثر باليسرى وكان يمسح رأسه كله وتارة يقبل بيديه ويدبر بهما ولم يصح أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة ولكن كان إذا مسح على ناصيته كمل على العمامة ولم يتوضأ إلا تمضمض واستنشق ولم يحفظ عنه أنه أخل بهما مرة واحدة وقد صرح الإمام ابن القيم في أكثر من موضع من كتبه بوجوب المضمضة والاستنشاق وكذلك الوضوء مرتبا متواليا ولم يخل به مرة واحدة وكان يغسل رجليه إذا لم يكونا في جوربين أو خفين ويمسح أذنيه مع رأسه ظاهرهما وباطنهما وكل حديث في أذكار الوضوء التي تقال عليه كذب غير التسمية في أوله وقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في آخره وحديث آخر في سنن النسائي سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله الا أنت استغفرك وأتوب إليك ولم يكن يقول في أوله نويت ولا أحد من الصحابة البتة ولم يتجاوز الثلاث قط وكذلك لم يثبت عنه أنه تجاوز المرفقين والكعبين ولم يكن يعتاد كنشيف أعضائه وكان يخلل لحيته أحيانا ولم يواظب على ذلك وكذلك تخليل الأصابع ولم يكن يحافظ عليه وأما تحريك الخاتم فروي فيه حديث ضعيف وصح عنه أنه مسح في الحضر والسفر ووقت للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن وكان يمسح على الجوربين ومسح عل العمامة مقتصرا عليها مع الناصية لكن يحتمل ان يكون خاصا بحال الحاجة ويحتمل العموم وهو أظهر ولم يكن يتكلف ضد حاله التي عليها قدماه بل إن كانتا في الخفين مسح وإن كانتا مكشوفتين غسل وكان يتيمم بضربة واحدة للوجه والكفين ويتيمم بالأرض التي يصلي عليها ترابا كانت أو سبخة أو رملا وصح عنه أنه قال حيثما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره ولما سفر وأصحابه في غزوة تبوك قطعوا تلك الرمال وماؤهم في غاية القلة ولم يرو عنه أنه حمل مع التراب ولا أمر به ولا فعله أحد من أصحابه ومن تدبر هذا قطع بأنه كان يتيمم بالرمل ولم يصح عنه التيمم لكل صلاة ولا أمر به بل أطلق التيمم وجعله قائما مقام الوضوء.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصلاة
كان صلى الله عليه وسلم إذا قام الى الصلاة قال الله أكبر ولم يقل شيئا قبلها ولا تلفظ بالنية ولا استحبه أحد من التابعين ولا الائمة الأربعة وكان دأبه في إحرامه لفظه الله اكبر لاغيرها وكان يرفع يديه معها ممدودتي الأصابع مستقبلا بهما القبلة الى فروع أذنيه وروي الى منكبيه ثم يضع اليمنى على ظهر اليسرى فوق الرسغ والساعد ولم يصح عنه موضع وضعهما لكن ذكر ابو داود عن علي من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة وكان يستفتح تارة باللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وتارة يقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم أنت الملك لا اله الا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا انه لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك انا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب اليك ولكن المحفوظ أنه في قيام الليل وتارة يقول اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل إلى آخره وقد تقدم وتارة يقول الله لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن الى آخره ثم ذكر نوعين آخرين ثم قال فكل هذه الأنواع قد صحت عنه.
وروي عنه أنه كان يستفتح ب سبحانك الله وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ذكره أهل السنن والذي قبله أثبت منه ولكن صح عن عمر أنه يستفتح به في مقام النبي صلى الله عليه وسلم ويجهر به يعلمه الناس قال أحمد أذهب الى ما روي عن عمر ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان حسنا وكان يقول بعد ذلك أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يقرأ الفاتحة وكان يجهر ب بسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر وكانت قراءته مدا يقف عند كل آية ويمد بها صوته فإذا فرغ من قراءة الفاتحة قال آمين فإن كان يجهر بالقراءة رفع بها صوته وقالها من خلفه وكان له سكتتان سكتة بين التكبيرة والقراءة واختلف في الثانية فروي أنها بعد الفاتحة وروي أنها قبل الركوع وقيل بل سكتتان غير الأولى والظاهر أنهما اثنتان فقط وأما الثالثة فلطيفة لأجل تراد النفس فمن لم يذكرها فلقصرها فإذا فرغ من الفاتحة أخذ في سورة غيرها وكان يطيلها تارة ويخففها لعارض من سفر أو غيره ويتوسط فيها غالبا.
فصل في قراءة صلاة الفجر
وكان يقرأ في الفجر بنحو ستين آية الى مئة وصلاها ب سورة ق وصلاها ب سورة الروم وصلاها ب إذا الشمس كورت وصلاها ب سورة إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما وصلاها ب المعوذتين وكان في السفر وصلاها فاستفتح سورة المؤمنون حتى إذا بلغ ذكر موسى وهارون في الركعة الأولى أخذته سعلة فركع وكان يصليها يوم الجمعة ب آلم السجدة و هل أتى على الإنسان لما اشتملتا عليه من ذكر المبدأ والمعاد وخلق آدم ودخول الجنة والنار وذكر ما كان وما يكون في يوم الجمعة كما كان يقرأ في المجامع العظام كالأعياد والجمعة ب سورة ق و اقتربت و سبح و الغاشية.
فصل في هديه في القراءة في باقي الصلوات
وأما الظهر فكان يطيل قراءتها أحيانا حتى قال ابو سعيد كانت صلاة الظهر تقام فيذهب الذاهب الى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها رواه مسلم وكان يقرأ فيها تارة ب آلم تنزيل السجدة وتارة ب سبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى والسماء ذات البروج وأما العصر فعلى النصف من قراءة الظهر إذا طالت وبقدرها إذا قصرت وأما المغرب فكان هديه فيها خلاف عمل الناس اليوم فانه صلاها مرة ب الأعراف في الركعتين ومرة ب الطور ومرة ب المرسلات وأما المداومة على قراءة قصار المفصل فيها فهو من فعل مروان ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت.
قال ابن عبد البر روي عنه أنه قرأ في المغرب ب المص وب الصافات وب الدخان و سبح اسم ربك الأعلى وب التين وب المعوذتين وب المرسلات وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل وكلها آثار صحاح مشهورة وأما عشاء الآخرة فقرأ صلى الله عليه وسلم فيها التين ووقت لمعاذ فيها ب الشمس وضحاها وب سبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى ونحوها وأنكر عليه قراءته فيها ب البقرة وقال أفتان أنت يا معاذ فتعلق النقارون بهذه الكلمة ولم يلتفتوا الى ما قبلها ولا ما بعدها وأما الجمعة فكان يقرأ فيها بسورتي الجمعة و المنافقين وسورتي سبح و الغاشية وأما الأعياد فتارة يقرأ ب ق و اقتربت كاملتين وتارة ب سبح و الغاشية وهذا الهدي الذي استمر عليه الى ان لقي الله عز وجل ولهذا أخذ به الخلفاء فقرأ ابو بكر سورة البقرة حتى سلم قريبا من طلوع الشمس وكان بعده عمر يقرأ فيها ب يوسف و النحل وهود و بني إسرائيل ونحوها وأما قوله أيكم أم بالناس فليخفف فالتخفيف أمر نسبي يرجع فيه الى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لا الى شهوات المأمومين وهديه الذي كان يواظب عليه هو الحاكم في كل ما تنازع فيه المتنازعون وكان لا يعين سورة بعينها لا يقرأ إلا بها إلا في الجمعة والعيدين وكان من هديه قراءة السورة وربما قرأها في الركعتين وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه.
وأما قراءة السورتين في الركعة فكان يفعله في النافلة وأما قراءة سورة واحدة في ركعتين معا فقلما كان يفعله وكان يطيل الركعة الأولى على الثانية من كل صلاة وربما كان يطيلها حتى لا يسمع وقع قدم.
فصل في ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم
فإذا فرغ من القراءة رفع يديه وكبر راكعا ووضع كفيه على ركبتيه كالقابض عليهما ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه وبسط ظهره ومده واعتدل فلم ينصب رأسه ولم يخفضه بل حيال ظهره وكان يقول سبحان ربي العظيم وتارة يقول مع ذلك أو مقتصر عليه سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي وكان ركوعه المعتاد مقدار عشر تسبيحات وسجوده كذلك وتارة يجعل الركوع والسجود بقدر القيام ولكن كان يفعله أحيانا في صلاة الليل وحده فهديه الغالب تعديل الصلاة وتناسبها وكان يقول أيضا في ركوعه سبوح قدوس رب الملائكة والروح وتارة يقول اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وهذا إنما حفظ عنه في قيام الليل ثم يرفع رأسه قائلا سمع الله لمن حمده ويرفع يديه وكان دائما يقيم صلبه إذا رفع من الركوع وبين السجدتين ويقول لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود وكان إذا استوى قال ربنا ولك الحمد وربما قال اللهم ربنا لك الحمد وأما الجمع بين اللهم والواو فلم يصح وكان من هديه إطالة هذا الركن بقدر الركوع فصح عنه أنه كان يقول فيه اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شئ بعد أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد. وصح عنه أنه كان يقول فيه اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ونقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب وصح عنه أنه كرر فيه قوله لربي الحمد لربي الحمد حتى كان بقدر ركوعه. وذكر مسلم عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم فهذا هديه المعلوم وتقصير هذين الركنين مما تصرف فيه أمراء بني أمية حتى ظن أنه من السنة.
فصل ثم كان يكبر ويخر ساجدا
ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه وكان يضع ركبتيه ثم يديه بعدهما ثم جبهته وأنفه هذا هو الصحيح، فكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب إليها فالأقرب وأول ما يرتفع الأعلى فالأعلى وإذا رفع رأسه أول ثم يديه ثم ركبتيه وهكذا عكس فعل البعير وقد نهى عن التشبه بالحيوانات في الصلاة فنهى عن بروك كبروك البعير والتفات كالتفات الثعلب وافتراش كافتراش السبع وإقعاء كإقعاء الكلب ونقر كنقر الغراب ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس وكان يسجد على جبهته وأنفه دون كور العمامة ولم يثبت عنه السجود عليه وكان يسجد على الأرض كثيرا وعلى الماء والطين وعلى الخمرة المتخذة من خوص النخل وعلى الحصير المتخذ منه وعلى الفروة المدبوغة وكان إذا سجد مكن جبهته وأنفه من الأرض ونحى يديه عن جنبيه وجافاهما حتى يرى بياض إبطيه وكان يضع يديه حذو منكبيه وأذنيه ويعتدل في سجوده ويستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ويبسط كفيه وأصابعه ولا يفرج بينهما ولا يقبضهما وكان يقول سبحان ربي الأعلى وأمر به ويقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ويقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح وكان يقول اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين وكان يقول اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره وكان يقول اللهم اغفر لي خطاياي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني اللهم اغفر لي جدي وهزلي وخطاياي وعمدي وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت أنت إلهي لا إله إلا أنت، وأمر بالاجتهاد في الدعاء والسجود.
فصل ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه
ثم يرفع رأسه مكبرا غير رافع يديه ثم يجلس مفترشا، يفترش اليسرى ويجلس عليها وينصب اليمنى ويضع يديه على فخذيه ويجعل حد مرفقيه على فخذيه وطرف يديه على ركبتيه وقبض اثنين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه يدعو بها ولا يحركها ثم يقول اللهم اغفر لي وارحمني و اجبرني واهدني وارزقني هكذا ذكره ابن عباس عنه وذكر حذيفة عنه أنه كان يقول اللهم اغفر لي ثم ينهض على صدور قدميه وركبتيه معتمدا على فخذيه فإذا نهض افتتح القراءة ولم يسكت كما يسكت عند الاستفتاح ثم يصلي الثانية كالأولى إلا في أربعة أشياء السكوت والاستفتاح وتكبيرة الإحرام وتطويلها فإذا جلس للتشهد وضع يده اليسرى على فخذه الأيسر ويده اليمنى على فخذه الأيمن وأشار بالسبابة وكان لا ينصبها نصبا ولا يقيمها بل يحنيها شيئا يسيرا ولا يحركها ويرفعها يدعو بها ويرمي بصره اليها ويبسط اليسرى ويتحامل عليها وأما صفة جلوسه فكما تقدم بين السجدتين سواء، وأما حديث ابن الزبير الذي رواه مسلم كان إذا قعد في الصلاة جعل قدمه الأيسر بين فخذه وساقه وفرش قدمه الأيمن فهذا في التشهد الأخير ذكر ابن الزبير أنه يفرش اليمين وذكر أبو حميد أنه ينصبها وهذا والله أعلم ليس باختلاف فإنه كان لا يجلس عليها بل يخرجها عن يمينه فتكون بين المنصوبة والمفروشة ويقال كان يفعل هذا وهذا فكان ينصبها وربما فرشها أحيانا وهو أروح ثم كان يتشهد دائما بهذه الجلسة ويعلم أصحابه أن يقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وكان يخففه جدا كأنه على الرضف ولم ينقل عنه في حديث قط أنه كان يصلي عليه وعلى آله فيه ولا يستعيذ فيه من عذاب القبر وعذاب جهنم وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ومن استحبه فإنما فهمه من عمومات قد تبين وضعها وتعددها في التشهد الأخير ثم كان ينهض مكبرا على صدور قدميه ويديه على ركبتيه معتمدا على فخذيه وفي صحيح مسلم وبعض طرق البخاري أنه كان يرفع يديه في هذا الموضع ثم كان يقرأ الفاتحة وحدها ولم يثبت عنه أنه قرأ في الأخيرتين بعد الفاتحة شيئا ولم يكن من هديه الالتفات في الصلاة وفي صحيح البخاري أنه سئل عنه فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد وكان يفعله في الصلاة أحيانا لعارض لم يكن من فعله الراتب كالتفاته الى الشعب الذي بعث اليه الطليعة والله اعلم وكان يدعو بعد التشهد وقبل السلام ولذلك أمر به في حديث أبي هريرة وحديث فضالة وأما الدعاء بعد السلام مستقبل القبلة أو المأمومين فلم يكن ذلك من هديه وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها وهذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه فإذا سلم زال ذلك ثم كان صلى الله عليه وسلم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره كذلك هذا كان فعله الراتب وروي عنه أنه كان يسلم تسليمة واحدة من تلقاء وجهه لكن لم يثبت وأجود ما فيه حديث عائشة وهو في السنن لكنه في قيام الليل وهو حديث معلول على انه ليس صريحا في الاقتصار على التسليمة الواحدة وكان يدعو في صلاته فيقول اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم وكان يقول أيضا اللهم اغفر لي ذنبي ووسع لي في داري وبارك لي في ما رزقتني وكان يقول اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم والمحفوظ في أدعيته كلها في الصلاة بلفظ الإفراد وكان إذا قام في الصلاة طأطأ رأسه ذكره أحمد وكان في التشهد لا يجاوز بصره إشارته وقد جعل الله قرة عينه ونعيمه في الصلاة فكان يقول يا بلال أرحنا بالصلاة ولم يشغله ذلك عن مراعاة المأمومين مع كمال حضور قلبه وكان يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها فيسمع بكاء الصبي فيخففها مخافة أن يشق على أمه وكذلك كان يصلي الفرض وهو حامل أمامة بنت ابنته على عاتقه إذا قام حملها وإذا ركع وسجد وضعها وكان يصلي فيجيء الحسن والحسين فيركبان على ظهره فيطيل السجدة كراهية أن يلقيه عن ظهره وكان يصلي فتجيء عائشة فيمشي فيفتح لها ثم يرجع الى مصلاه وكان يرد السلام بالإشارة، وأما حديث من أشار في صلاته فليعدها فباطل وكان ينفخ في صلاته ذكره احمد وكان ينتخم فيها ويتنحنح لحاجة وكان يصلي حافيا تارة ومنتعلا أخرى وأمر بالصلاة في النعال مخالفة لليهود وكان يصلي في الثوب الواحد تارة وفي الثوبين تارة وهو أكثر وقنت في الفجر بعد الركوع شهرا ثم ترك وكان قنوته لعارض فلما زال تركه فكان هديه القنوت في النوازل خاصة وتركه عند عدمها ولم يكن يخصه بالفجر بل كان أكثر قنوته فيه لأجل ما يشرع فيه من الطول ولقربها من السحر وساعة الإجابة و التنزل الإلهي.
فصل قوله إنما أنا بشر أنسى كما تنسون
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وكان سهوه من تمام النعمة على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فقام من اثنتين في الرباعية فلما قضى صلاته سجد قبل السلام فأخذ منه ان من ترك شيئا من أجزاء الصلاة التي ليست بأركان سجد له قبل السلام وأخذ من بعض طرقه أنه إذا ترك ذلك وشرع في ركن لم يرجع وسلم من ركعتين في إحدى صلاتي العشاء ثم تكلم ثم أتمها ثم سلم ثم سجد ثم سلم وصلى وسلم وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فقال له طلحة نسيت ركعة رجع فدخل المسجد فأمر بلالا فأقام فصلى للناس ركعة ذكره احمد وصلى الظهر خمسا فقالوا صليت خمسا فسجد بعد ما سلم وصلى العصر ثلاثا ثم دخل منزله فذكره الناس فخرج فصلى بهم ركعة ثم سلم ثم سجد ثم سلم هذا مجموع ما حفظ عنه وهي خمسة مواضع ولم يكن من هديه تغميض عينيه في الصلاة وكرهه احمد وغيره وقالوا هو من فعل اليهود وأباحه جماعة والصواب أن الفتح إن كان لا يخل بالخشوع فهو أفضل وإن حال بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرف وغيره فهذا لا يكره وكان إذا سلم استغفر ثلاثا وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ولا يمكث مستقبل القبلة إلا بقدر ذلك ويسرع الانفتال الى المأمومين وكان ينفتل عن يمينه وعن يساره ثم كان يقبل على المأمومين بوجهه ولا يخص ناحية منهم دون ناحية وكان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء وكان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد ولا حول ولا قوة إلا بالله لا اله الا الله ولا نعبد الا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا اله الا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون وندب أمته الى ان يقولوا في دبر كل صلاة مكتوبة سبحان الله ثلاثا وثلاثين والحمد لله ثلاثا وثلاثين والله اكبر ثلاثا وثلاثين وتمام المائة لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وذكر ابن حبان في صحيحه عن الحارث بن مسلم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صليت الصبح فقل قبل ان تتكلم اللهم آجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من يومك كتب الله لك جوازا من النار وإذا صليت المغرب فقل قبل ان تتكلم اللهم آجرني من النار سبع مرات فإنك إن مت من ليلتك كتب لك جواز من النار وكان إذا صلى الى جدار جعل بينه وبينه قدر ممر شاة ولم يكن يتباعد منه بل أمر بالقرب من السترة وكان إذا صلى الى عود أو عمود أو شجرة جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولم يصمد له صمدا وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي اليها فتكون سترته وكان يعرض راحلته فيصلي اليها وكان يأخذ الرحل فيعدله ويصلي الى آخرته وأمر المصلي ان يستتر ولو بسهم أو عصا فإن لم يجد فليخط خطا بالأرض فإن لم تكن سترة فقد صح انه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود ومعارضة صحيح ليس بصريح أو صريح ليس بصحيح وكان يصلي وعائشة نائمة في قبلته وليس كالمار فإن الرجل يحرم عليه المرور ولا يكره له ان يكون لابثا بين يدي المصلي.
فصل محافظته على عشر ركعات في الحضر
وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على عشر ركعات في الحضر دائما وهي التي قال فيها ابن عمر حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء في بيته وركعتين قبل صلاة الفجر ولما فاتته الركعتان بعد الظهر قضاهما في وقت النهي بعد العصر وكان يصلي أحيانا قبل الظهر أربعا وأما الركعتان قبل المغرب فصح عنه أنه قال صلوا قبل المغرب ركعتين وقال في الثالثة لمن شاء كراهة ان يتخذها الناس سنة وهذا هو الصواب أنها مستحبة وليست سنة راتبة وكان يصلي عامة السنن والتطوع الذي لا سبب له في بيته لاسيما سنة المغرب فانه لم ينقل عنه انه فعلها في المسجد البتة وله فعلها في المسجد وكان محافظته على سنة الفجر اشد من جميع النوافل وكذلك لم يكن يدعها هي والوتر لا حضرا ولا سفرا ولم ينقل عنه أنه صلى في السفر سنة غيرهما وقد اختلف الفقهاء أيهما آكد وسنة الفجر تجري مجرى بداية العمل والوتر خاتمته ولذلك كان يصليهما بسورتي الإخلاص وهما الجامعتان لتوحيد العلم والعمل وتوحيد المعرفة والإرادة وتوحيد الاعتقاد والقصد قل هو الله أحد متضمنة لما يجب إثباته له تعالى من الأحدية المنافية لمطلق الشركة بوجه من الوجوه ونفي الولد والوالد المقرر لكمال صمديته وغناه ووحدانيته ونفى الكفء المتضمن لنفي الشبيه والمثيل والنظير فتضمنت إثبات كل كما ونفي كل نقص ونفي إثبات شبيه له أو مثيل في كماله ونفي مطلق الشركة وهذه الأصول هي مجامع التوحيد العلمي الذي يباين صاحبه جميع فرق الضلال والشرك ولهذا كانت تعدل ثلث القرآن فإن مداره على الخبر والإنشاء والإنشاء ثلاثة أمر ونهي وإباحة والخبر نوعين خبر عن الخالق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبر عن خلقه فأخلصت سورة الإخلاص للخبر عنه وعن أسمائه وصفاته فعدلت ثلث القرآن وخلصت قارئها من الشرك العلمي كما خلصته سورة قل يا أيها الكافرون من الشرك العملي ولما كان العلم قبل العمل وهو إمامه وسائقه والحاكم عليه كانت قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن و قل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن ولما كان الشرك العملي أغلب على النفوس لمتابعة الهوى وكثير منها ترتكبه مع علمها بمضرته وقلعه أشد من قلع الشرك العلمي لأنه يزول بالحجة ولا يمكن صاحبه أن يعلم الشيء على غير ما هو عليه جاء التأكيد والتكرير في قل يا أيها الكافرون ولهذا كان يقرأ بهما في ركعتي الطواف لأن الحج شعار التوحيد ويفتح بهما عمل النهار ويختم بهما عمل الليل وكان يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن وقد غلا فيها طائفتان فأوجبها طائفة من أهل الظاهر وكرهها جماعة وسموها بدعة وتوسط فيها مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة وكرهوها لمن فعلها استسنانا
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قيام الليل
لم يكن صلى الله عليه وسلم يدع صلاة الليل حضرا ولا سفرا وإذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار اثني عشرة ركعة فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول في هذا دليل على ان الوتر لا يقضي لفوات محله كتحية المسجد والكسوف والاستسقاء لأن المقصود به أن تكون آخر صلاة الليل وترا وكان قيامه بالليل إحدى عشر ركعة أو ثلاثة عشر ركعة حصل الاتفاق على إحدى عشر ركعة واختلف في الركعتين الأخيرتين هل هما ركعتا الفجر أم غيرهما فإذا انضاف ذلك الى عدد ركعات الفرض والسنن الراتبة التي كان يحافظ عليها جاء مجموع ورده الراتب بالليل والنهار أربعين ركعة كان يحافظ عليها دائما وما زاد على ذلك فغير راتب فينبغي للعبد أن يواظب على هذا الورد دائما الى الممات فما أسرع الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة والله المستعان، وكان إذا استيقظ من الليل قال لا إله الا أنت سبحانك اللهم استغفرك لذنبي وأسألك رحمتك اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة انك أنت الوهاب وكان إذا انتبه من نومه قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ثم يتسوك وربما قرأ عشر الآيات من آخر سورة آل عمران من قوله إن في خلق السموات والأرض ثم يتطهر ثم يصلي ركعتين خفيفتين وأمر بذل في حديث أبي هريرة وكان يقوم إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل وكان يقطع ورده تارة ويصله تارة وهو اكثر فتقطيعه كما قال ابن عباس إنه بعد ما صلى ركعتين انصرف فنام فعل ذلك ثلاث مرات في ست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ثم أوتر بثلاث وكان وتره أنواعا منها هذا ومنها أنه يصلي ثمان ركعات يسلم بين كل ركعتين ثم يوتر بخمس سردا متواليات لا يجلس إلا في آخرهن ومنها تسع ركعات يسرد منهن ثمانيا لا يجلس إلا في الثامنة يجلس فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد فيتشهد ويسلم ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم ومنها أنه يصلي سبعا كالتسع المذكورة ثم يصلي بعدها ركعتين جالسا ومنها أنه يصلي مثنى مثنى ثم يوتر بثلاث لا يفصل فيهن فهذا رواه احمد عن عائشة أنه كان يوتر بثلاث لا فصل فيهن وفيه نظر ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا لا توتر بثلاث أوتر بخمس أو سبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب قال الدارقطني وإسناده كلهم ثقات قال حرب سئل احمد عن الوتر قال يسلم في الركعتين وإن لم يسلم رجوت ألا يضره إلا ان التسليم اثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال في رواية أبي طالب أكثر الحديث وأقواه ركعة فأنا أذهب اليها ومنها ما رواه النسائي عن حذيفة أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة رمضان فركع فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما الحديث وفيه فما صلى إلا أربع ركعات حتى جاء بلال يدعوه الى الغداة وأوتر أول الليل وأوسطه وآخره وقام ليلة بآية يتلوها ويرددها حتى الصباح إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإن أنت العزيز الحكيم وكانت صلاته بالليل ثلاثة أنواع أحدها وهو أكثرها صلاته قائما الثاني أنه كان يصلي قاعدا الثالث أنه كان يقرأ قاعدا فإذا بقي يسير من قراءته قام فركع قائما وثبت عنه أنه كان يصلي ركعتين بعد الوتر جالسا تارة وتارة يقرأ فيهما جالسا فإذا أراد أن يركع قام فركع وقد أشكل هذا على كثير وظنوه معارضا لقوله اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا قال أحمد لا أفعله ولا أمنع من فعله وأنكره مالك والصواب أن الوتر عبادة مستقلة، فتجري الركعتان بعده مجرى سنة المغرب من المغرب فهما تكميل للوتر ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم انه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجة قال احمد ليس يروي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولكن كان عمر يقنت من السنة الى السنة وروى أهل السنن حديث الحسن بن علي وقال الترمذي حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء السعدي انتهى والقنوت في الوتر محفوظ عن عمر وأبي وابن مسعود وذكر أبو داود والنسائي من حديث ابي بن كعب ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر ب سبح و قل يا أيها الكافرون و قل هو الله أحد فإذا سلم قال سبحان الملك القدوس ثلاث مرات يمد صوته في الثالثة ويرفع، وكان صلى الله عليه وسلم يرتل سورة حتى تكون أطول من أطول منها والمقصود من القرآن تدبره وتفهمه والعمل به وتلاوته وحفظه وسيلة الى معانيه كما قال بعض السلف نزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا قال شعبة حدثنا أبو حمزة قال قلت لابن عباس إني رجل سريع القراءة وربما قرأت القرآن في الليلة مرة أو مرتين قال ابن عباس رضي الله عنهما لأن أقرأ سورة واحدة أحب الي من ان أفعل ذلك الذي تفعل فإن كنت فاعلا لابد فاقرأ قراءة تسمع أذنيك ويعيه قلبك وقال إبراهيم قرأ علقمة على عبد الله فقال رتل فداك أبي وأمي فإنه زين القرآن وقال عبد الله لا تهذوا القرآن هذ الشعر ولا تنثروه نثر الدقل وقفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولايكن هم أحدكم آخر السورة وقال إذا سمعت الله يقول يا أيها الذي آمنوا فأصغ لها سمعك فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى دخلت علي امرأة وأنا أقرأ سورة هود فقالت لي يا عبد الرحمن هكذا تقرأ سورة هود والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسر بالقراءة في صلاة الليل تارة ويجهر تارة ويطيل القيام تارة ويخففه تارة وكان يصلي التطوع بالليل والنهار على راحلته في السفر قبل أي وجه توجهت به فيركع ويسجد عليها إيماء ويجعل سجوده أخفض من ركوعه
فصل
روى البخاري في صحيحه عن عائشة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي سبحة الضحى وإني لأسبحها وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى وأن أوتر قبل ان ارقد ولمسلم عن زيد بن أرقم مرفوعا صلاة الأوابين حين ترمض الفصال أي يشتد حر النهار فتجد الفصال حر الرمضاء فقد أوصى بها وكان يستغني عنها بقيام الليل قال مسروق كنا نصلي في المسجد فنبقى بعد قيام ابن مسعود ثم نقوم فنصلي الضحى فبلغه فقال لم تحملون عباد الله ما لم يحملهم الله ان كنتم لابد فعلين ففي بيوتكم وقال سعيد بن جبير إني لأدع صلاة الضحى وأنا اشتهيها مخافة ان تكون حتما علي وكان من هديه صلى الله عليه وسلم وهدي أصحابه سجود الشكر عند تجدد نعمة تسر أو اندفاع نقمة وكان صلى الله عليه وسلم إذا مر بآية سجدة كبر وسجد وربما قال في سجوده سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته ولم ينقل عنه أنه كان يكبر للرفع من هذا السجود ولا تشهد ولا سلم البتة وصح عنه انه سجد في آلم تنزيل وفي ص وفي اقرأ وفي النجم وفي إذا السماء انشقت وذكر أبو داود عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمسة عشر سجدة منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتين وأما حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد في المفصل منذ تحول الى المدينة فهو حديث ضعيف في إسناده أبو قدامة الحارث ابن عبيد ولا يحتج به وأعله ابن القطان بمطر الوراق وقال كان يشبه في سوء الحفظ محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعيب على مسلم إخراج حديثه انتهى ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم انه حفظه كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه فمن الناس من صحح جميع أحاديث هؤلاء الثقات ومنهم من ضعف جميع حديث السيئ الحفظ فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله والثانية طريقة ابن حزم وأشكاله وطريقة مسلم هي طريقة ائمة هذا الشأن.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم