بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
هديه صلى الله عليه وسلم فى الصيام
والحج والعمره والهدايا والضحايا والعقيقة


فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الصيام
لما كان المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها وقبول ما تزكو مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب فهو لجام المتقين وجنة المحاربين ورياضة الأبرار المقربين وهو لرب العالمين من بين الأعمال فإن الصائم لا يفعل شيئا وإنما يترك شهوته فهو ترك المحبوبات لمحبة الله وهو سر بين العبد وربه إذ العباد قد يطلعون على ترك المفطرات الظاهرة وأما كونه ترك ذلك لأجل معبوده فأمر لا يطلع عليه بشر وذلك حقيقة الصوم وله تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة والقوى الباطنة عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها فهو من أكبر العون على التقوى كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وأمر صلى الله عليه وسلم من اشتدت شهوته للنكاح ولا قدرة له عليه بالصيام وجعله وجاء هذه الشهوة وكان هديه صلى الله عليه وسلم فيه أكمل هدي وأعظمه تحصيلا للمقصود وأسهله على النفوس ولما كان فطم النفوس عن شهواتها ومألوفاتها من أشق الأمور تأخر فرضه الى ما بعد الهجرة وفرض أولا على التخيير بينه وبين أن يطعم كل يوم مسكينا ثم ختم الصوم وجعل الإطعام للشيخ الكبير والمرأة إذا لم يطيقا ورخص للمريض والمسافر أن يفطرا أو يقضيا والحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما كذلك وإن خافتا على ولديهما زادتا مع القضاء إطعام مسكين لكل يوم فإن فطرهما لم يكن لخوف مرض وإنما كان مع الصحة فجبر بإطعام مسكين كفطر الصحيح في أول الإسلام وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادة وكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان وكان يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف وكان يخصه من العبادات بما لا يخص به غيره وإنه ليواصل فيه أحيانا ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة وكان ينهى أصحابه عن الوصال فيقولون له إنك تواصل فيقول لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني نهى عنه رحمة للأمة وأذن فيه الى السحر.
فصل وكان من هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية
وكان من هديه أن لا يدخل في صوم رمضان إلا برؤية محققه أو بشهادة شاهد فإن لم يكن رؤية ولا شهادة أكمل عدة شعبان ثلاثين وكان إذا حال ليلة الثلاثين دون منظره سحاب أكمل شعبان ثلاثين ولم يكن يصوم يوم الإغمام ولا أمر به بل أمر بإكمال عدة شعبان ولا يناقض هذا قوله فإن غم عليكم فاقدروا له فإن القدر هو الحساب المقدور والمراد به الإكمال وكان من هديه الخروج منه بشهادة اثنين وإذا شهد شاهدان برؤيته بعد خروج وقت العيد أفطر وأمرهم بالفطر وصلى العيد من الغد في وقتها وكان يعجل الفطر ويحث عليه ويتسحر ويحث عليه ويؤخره ويرغب في تأخيره وكان يحض على الفطر على التمر فإن لم يجده فعلى الماء ونهى الصائم عن الرفث والصخب والسباب وجواب السباب وأمره أن يقول لمن سابه إني صائم وسافر في رمضان فصام وأفطر وخير أصحابه بين الأمرين وكان يأمرهم بالفطر إذا دنوا من العدو ولم يكن من هديه تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بحد وكان الصحابة حين ينشئون السفر يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت ويخبرون أن ذلك هديه وسنته صلى الله عليه وسلم وكان يدركه الفجر وهو جنب من أهله فيغتسل بعد الفجر ويصوم وكان يقبل بعض أزواجه وهو صائم في رمضان وشبه قبلة الصائم بالمضمضة بالماء ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم التفريق بين الشاب والشيخ وكان من هديه إسقاط القضاء عمن أكل أو شرب ناسيا وأن الله هو الذي أطعمه وسقاه والذي صح عنه أنه يفطر الصائم به هو الأكل والشرب والحجامة والقيء والقرآن دل على الجماع ولم يصح عنه في الكحل شيء وصح عنه أنه يستاك وهو صائم وذكر احمد عنه أنه كان يصب على رأسه الماء وهو صائم وكان يستنشق ويتمضمض وهو صائم ومنع الصائم من المبالغة في الاستنشاق ولا يصح عنه أنه احتجم وهو صائم قال أحمد وروي عنه انه قال في الاثمد ليتقه الصائم ولا يصح قال ابن معين حديث منكر.
فصل وكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم
وكان يصوم حتى يقال لا يفطر ويفطر حتى يقال لا يصوم وما استكمل صيام شهر غير رمضان وما كان يصوم في شهر أكثر مما كان يصوم في شعبان ولم يكن يخرج عنه شهر حتى يصوم منه وكان يتحرى صيام الاثنين والخميس قال ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر ذكره النسائي وكان يحض على صيامها وأما صيام عشر ذي الحجة فقد اختلف فيه عنه وأما صيام ستة أيام من شوال فصح عنه أنه قال صيامها مع رمضان يعدل صيام الدهر وأما يوم عاشوراء فإنه كان يتحرى صومه على سائر الأيام ولما قدم المدينة وجد اليهود تصومه وتعظمه فقال نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه وذلك قبل فرض رمضان فلما فرض رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه وكان من هديه إفطار يوم عرفة بعرفة ثبت عنه ذلك في الصحيحين وروي عنه أنه نهى عن صوم عرفة بعرفة رواه أهل السنن وصح عنه أن صيامه يكفر السنة الماضية والباقية ذكره مسلم ولم يكن من هديه صيام الدهر بل قد قال من صام الدهر لا صام ولا أفطر وكان يدخل على أهله فيقول هل عندكم شيء فإن قالوا لا قال إني إذا صائم وكان أحيانا ينوي صوم التطوع ثم يفطر وأما حديث عائشة فإنه قال لها ولحفصة اقضيا يوما مكانه فهو حديث معلول وكان إذا نزل على قوم وهو صائم أتم صيامه كما فعل لما دخل على أم سليم لكن أم سليم عنده بمنزلة أهل بيته وفي الصحيح عنه أنه قال إذا دعي أحدكم الى طعام وهو صائم فليقل إني صائم وكان من هديه كراهة تخصيص يوم الجمعة بالصوم.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف
لما كان صلاح القلب واستقامته في طريق سيره الى الله تعالى متوقفا على جمعيته على الله ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله وكانت فضول الشراب والطعام وفضول مخالطة الأنام وفضول المنام وفضول الكلام مما يزيده شعثا ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره الى الله تعالى ويضعفه أو يعوقه ويوقفه اقتضت حكمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره الى الله وشرعه بقدر المصلحة بحيث ينتفع به العبد في دنياه وآخرته ولا يضره وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصودة وروحه عكوف القلب على الله والانقطاع عن الخلق والاشتغال به وحده فيصير أنسه بالله بدلا عن انسه بالخلق فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبر ولما كان المقصود إنما يتم مع الصوم شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم الا مع الصوم وأما الكلام فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل مالا ينفع في الآخرة وأما فضول المنام فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو أفضل من السهر وأحمده عاقبة وهو السهر المتوسط الذي ينفع القلب والبدن ولا يعوق العبد عن مصلحته ومدار رياضة أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج المحمدي فلم ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين وقد ذكرنا هديه في صيامه وقيامه وكلامه فلنذكر هديه في اعتكافه كان صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر في رمضان حتى توفاه الله عز وجل وتركه مرة فقضاه في شوال واعتكف مرة في العشر الأول ثم الأوسط ثم العشر الأواخر يلتمس ليلة القدر ثم تبين أنها في العشر الأواخر فداوم على الاعتكاف حتى لحق بربه عز وجل وكان يأمر بخباء فيضرب له في المسجد يخلو فيه لربه عز وجل وكان إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخله فأمر به مرة فضرب له فأمر أزواجه بأخبيتهن فضربت فلما صلى الفجر نظر فرأى تلك الأخبية فأمر بخبائه ففوض وترك الاعتكاف في رمضان حتى اعتكف العشر الأول من شوال وكان يعتكف في كل سنة عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما وكان يعارضه جبريل بالقرآن كل سنة مرة فلما كان ذلك العام عارضه به مرتين وكان يعرض عليه القرآن أيضا في كل سنة مرة فعرض عليه تلك السنة مرتين وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده وكان لا يدخل بيته إلا لحاجة الإنسان ويخرج رأسه الى بيت عائشة فترجله وهي حائض وكان بعض أزواجه تزوره وهو معتكف فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها وكان ذلك ليلا ولم يكن يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها وكان إذا اعتكف طرح له فراشه وسريره في معتكفة وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو في طريقه فلا يعرج عليه إلا أن يسأل عنه واعتكف مرة في قبة تركية وجعل على سدتها حصيرا كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف عكس ما يفعله الجاهل من اتخاذ المعتكف موضع عشرة و مجلبة للزائرين فهذا لون والاعتكاف المحمدي لون.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في حجه وعمره
اعتمر صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة أربع عمرات كلهن في ذي القعدة الأولى عمرة الحديبية سنة ست فصده المشركون عن البيت فنحر وحلق حيث صد هو وأصحابه وحلو الثانية عمرة القضية في العام المقبل دخلها فأقام بها ثلاثا ثم خرج الثالثة عمرته التي قرنها مع حجته الرابعة عمرته من الجعرانة ولم يكن في عمره عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم وإنما كانت عمره كلها داخلا الى مكة وقد أقام بعد الوحي بمكة ثلاثة عشر سنة لم ينقل عنه أنه اعتمر خارجا عن مكة ولم يفعله أحد على عهده قط إلا عائشة لأنها أهلت بالعمرة فحاضت فأمرها فقرنت وأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها فوجدت في نفسها إذا أن ترجع صواحبها بحج وعمرة مستقلين فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرن وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها وكانت عمره كلها في أشهر الحج مخالفا لهدي المشركين فإنهم يكرهون العمرة فيها وهذا دليل على ان الاعتمار في أشهر الحج أفضل منه في رجب بلا شك وأما في رمضان فموضع نظر وقد صح عنه أن عمرة في رمضان تعدل حجة وقد يقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتغل في رمضان من العبادات بما هو أهم من العمرة مع ما في ترك ذلك من الرحمة لأمته فإنه لو فعل لبادرت الأمة الى ذلك فكان يشق عليها الجمع بين العمرة والصوم وكان يترك كثيرا من العمل وهو يحب أن يعمل خشية المشقة عليهم ولم يحفظ أنه اعتمر في السنة إلا مرة واحدة ولا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة سنة عشر ولما نزل فرض الحج بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير تأخير فإن فرضه تأخر الى سنة تسع أو عشر وأما قوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) فإنها وإن نزلت سنة ست فليس فيها فريضة الحج وإنما فيها الأمر بإتمامه وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما ولما عزم صلى الله عليه وسلم على الحج أعلم الناس أنه حاج فتجهزوا للخروج معه وسمع بذلك من حول المدينة فقدموا يريدون الحج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووافاه في الطريق خلائق لا يحصون وكانوا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر وخرج من المدينة نهارا بعد الظهر لست بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا وخطبهم قبل ذلك خطبة علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه فصلى الظهر ثم ترجل وادهن ولبس إزاره ورداءه وخرج فنزل بذي الحليفة فصلى بها العصر ركعتين.
فصل ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر
ثم بات بها وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر وكان نساؤه كلهن معه فطاف عليهن تلك الليلة فلما أراد الإحرام اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه ثم طيبته عائشة بيدها بذريرة وطيب فيه مسك في بدنه ورأسه حتى كان وبيص المسك يرى في مفارقه ولحيته ثم استدامه ولم يغسله ثم لبسه ازاره ورداءه ثم صلى الظهر ركعتين ثم أهل بالحج والعمرة في مصلاه ولم ينقل أنه صلى للإحرام ركعتين وقلد قبل الإحرام بدنه نعلين وأشعرها في جانبها الأيمن فشق صفحة سنامها وسلت الدم عنها وإنما قلنا إنه أحرم قارنا لبضعة وعشرين حديثا صريحة صحيحة في ذلك ولبد رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه بالغسل وهو بالمعجمة وهو ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الشعر حتى لا ينتشر وأهل في مصلاه ثم ركب ناقته فأهل أيضا ثم أهل أيضا لما استقلت به على البيداء وكان يهل بالحج والعمرة تارة وبالحج تارة لأن العمرة جزء منه فمن ثم قرن وقيل تمتع وقيل أفرد وقول ابن حزم إن ذلك قبل الظهر بيسير وهم منه والمحفوظ أنه إنما أهل بعد الظهر ولم يقل أحد قط أن إحرامه كان قبل الظهر فلا أدري من أين له هذا ثم لبى فقال لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ورفع صوته بهذه التلبية حتى سمعها أصحابه وأمرهم بأمر الله له أن يرفعوا أصواتهم بها وكان حجه على رحل وزاملته تحته وقد اختلف في جواز ركوب المحرم في المحمل والعمارية ونحوهما وخيرهم صلى الله عليه وسلم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة ثم ندبهم عند دنوهم من مكة الى فسخ الحج والقران الى العمرة لمن لم يكن معه هدي ثم حتم ذلك عليهم عند المروة وولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر فأمرها أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم وتهل ففيه جواز غسل المحرم وأن الحائض تغتسل وأن الإحرام يصح من الحائض ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبي تلبية المذكورة والناس معه يزيدون فيها وينقصون وهو يقرهم فلما كان بالروحاء رأى حمار وحش عقيرا قال دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه فجاء صاحبه فقال شأنكم به فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق ففيه جواز أكل المحرم صيد الحلال إذا لم يصد لأجله ويدل على ان الصيد يملك بالإثبات ثم مضى حتى إذا كان بالأثاية بين الرؤيثه والعرج إذا ظبي حاقف في ظل شجرة فيه سهم فأمر رجلا أن يقف عنده لا يريبه أحد والفرق بينه وبين الحمار أنه لم يعلم أن الذي صاده حلال ثم سار حتى إذا نزل بالعرج وكانت زاملته وزاملة أبي بكر واحدة مع غلام لأبي بكر فطلع الغلام وليس معه البعير فقال أين بعيرك قال أضللته البارحة فقال أبو بكر بعيرا واحدا وتضله فطفق يضربه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول انظروا الى هذا المحرم ما يصنع ثم مضى حتى إذا كان بالأبواء أهدى له الصعب بن جثامة عجز حمار وحش فرده وقال إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم فلما مر بوادي عسفان قال يا أبا بكر أي واد هذا قال وادي عسفان قال لقد مر به هود وصالح على بكرين أحمرين خطمهما الليف وأزرهما العباء وأرديتهما النمار يلبون يحجون البيت العتيق ذكره احمد فلما كان بسرف حاضت عائشة وقال لأصحابه بسرف من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل ومن كان معه هدي فلا وهذه رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات فلما كان بمكة أمر أمرا حتما من لا هدي معه أن يجعلها عمرة ويحل من إحرامه ومن معه هدي أن يقيم على إحرامه ولم يفسخ ذلك شيء البتة بل سأله سراقة بن مالك عن هذه العمرة التي أمرهم بالفسخ اليها هل هي لعامهم ذلك أم للأبد فقال للأبد فقال ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أن نزل بذي طوى وهي المعروفة بآبار الزاهر فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة وصلى بها الصبح ثم اغتسل من يومه ونهض الى مكة فدخلها نهارا من أعلاها من الثنية العليا التي تشرف على الحجون وكان في العمرة يدخلها من أسفلها ثم سار حتى دخل المسجد وذلك ضحى وذكر الطبري أنه دخل من باب بني عبد مناف الذي سمى باب بني شيبة وذكر أحمد أنه كان إذا دخل مكانا من دار يعلى استقبل البيت ودعا وذكر الطبري أنه كان إذا نظر الى البيت قال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وروي عنه أنه كان عند رؤيته يرفع يديه ويكبر ويقول اللهم أنت السلام ومنك السلام حينا ربنا بالسلام اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما وتكريما ومهابة وزد من حجه أو اعتمره تكريما وتشريفا وتعظيما وبرا وهو مرسل فلما دخل المسجد عمد الى البيت ولم يركع تحية المسجد فإن تحيته الطواف فلما حاذى الحجر استلمه ولم يزاحم عليه ولم يتقدم عنه إلى جهة الركن اليماني ولم يرفع يديه ولم يقل نويت بطوافي هذا الأسبوع كذا وكذا ولا افتتحه بالتكبير ولا حاذى الحجر بجميع بدنه ثم انفتل عنه وجعله على شقه الأيمن بل استقبله واستلمه ثم أخذ على يمينه ولم يدع عند الباب ولا تحت الميزاب ولا عند ظهر الكعبة وأركانها ولا وقت للطواف ذكرا معينا بل حفظ عنه بين الركنين ربنا آتنا الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ورمل في طوافه هذه الثلاثة الأشواط وقارب بين خطاه واضطبع بردائه فجعله على أحد كتفيه وأبدى كتفه الأخرى ومنكبه وكلما حاذى الحجر الأسود أشار اليه واستلمه بمحجنه وقبل المحجن وهو عصى محنية الرأس وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه استلم الركن اليماني ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبله ولا قبل يده عند استلامه وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قبل الحجر الأسود وثبت عنه أنه استلمه بيده فوضع يده عليه ثم قبلها وثبت عنه أنه استلمه بمحجنه فهذه ثلاث صفات وذكر الطبراني بإسناد جيد أنه إذا استلم الركن قال بسم الله والله اكبر وكلما أتى على الحجر الأسود قال الله اكبر ولم يستلم صلى الله عليه وسلم ولم يمس من الأركان إلا اليمانيين فقط فلما فرغ من طوافه جاء الى خلف المقام فقرأ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فركع ركعتين والمقام بينه وبين البيت قرأ فيهما بعد الفاتحة ب سورة الإخلاص وقرأ الآية فلما فرغ من صلاته أقبل على الحجر فاستلمه ثم خرج الى الصفا من الباب الذي يقابله فلما دنى منه قرأ (إن الصفا والمروة من شعائر الله) أبدأ بما بدأ الله به وللنسائي ابدؤوا على الأمر ثم رقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل الى المروة يمشي فلما انصبت قدماه سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى وذلك قبل الميلين الأخضرين في أول المسعى والظاهر أن الوادي لم يتغير عن وضعه فكان صلى الله عليه وسلم إذا وصل المروة رقى عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما فعل على الصفا فلما اكمل سعيه عند المروة أمر كل من لا هدي له أن يحل حتما وأمرهم أن يحلوا الحل كله وأن يبقوا كذلك إلى يوم التروية ولم يحل من أجل هديه وهناك قال لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة وهناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة وأما نساؤه فأحللن وكن قارنات إلا عائشة فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل بالحيض وأمر من أهل كإهلاله أن يقيم على إحرامه إن كان معه هدي وأن يحل إن لم يكن معه هدي وكان يصلي مدة قيامه الى يوم التروية بمنزله بالمسلمين بظاهر مكة فأقام أربعة أيام يقصر الصلاة فلما كان يوم الخميس ضحى توجه بمن معه من المسلمين الى منى فأحرم بالحج من كان أحل منهم من رحالهم ولم يدخلوا الى المسجد بل أحرموا ومكة خلف ظهورهم فلما وصل الى منى نزل وصلى بها الظهر والعصر وبات بها فلما طلعت الشمس سار الى عرفة وأخذ على طريق ضب على يمين طريق الناس اليوم وكان من الصحابة الملبي ومنهم المكبر وهو يسمع ولا ينكر فوجد القبة قد ضربت له بنمرة وهي قرية شرقي عرفة وهي خراب اليوم فنزل فيها حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصواء فرحلت ثم سار حتى أتى بطن الوادي من أرض عرنة فخطب الناس وهو على راحلته خطبة عظيمة قرر فيها قواعد الإسلام وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية وقرر فيها تحريم المحرمات التي اتفقت الملل على تحريمها وهي الدماء والأموال والأعراض ووضع فيها أمور الجاهلية تحت قدميه ووضع فيها ربا الجاهلية كله وأبطله وأوصاهم بالنساء خيرا وذكر الحق الذي لهن وعليهن وأن الواجب لهن الرزق والكسوة بالمعروف ولم يقدر ذلك تقديرا وأباح للأزواج ضربهن إذا أدخلن الى بيوتهن من يكرهه أزواجهن وأوصى فيها الأمة بالاعتصام بكتاب الله وأخبر أنهم لن يضلوا ماداموا معتصمين به ثم أخبرهم أنهم مسؤولون عنه واستنطقهم بماذا يقولون وبماذا يشهدون فقالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فرفع أصبعه الى السماء واستشهد الله عليهم ثلاث مرات وأمرهم أن يبلغ شاهدهم غائبهم وخطب خطبة واحدة ولم تكن خطبتين جلس بينهما فلما أتمها أمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ركعتين أسر فيهما القراءة وكان يوم الجمعة فدل على أن المسافر لا يصلي الجمعة ثم أقام فصلى العصر ركعتين أيضا ومعه أهل مكة فصلوا بصلاته قصرا وجمعا وفيه أوضح دليل على ان سفر القصر لايتحدد بمسافة معلومة فلما فرغ من صلاته ركب حتى أتى الموقف فوقف في ذيل الجبل عند الصخرات واستقبل القبلة وجعل حبل المشاة بين يديه وكان على بعيره فأخذ في الدعاء والتضرع والابتهال الى غروب الشمس وأمر الناس أن يرفعوا عن بطن عرنه وأخبر أن عرفة كلها موقف وأرسل الى الناس أن يكونوا على مشاعرهم ويقفوا بها فإنها من أثر إرث أبيهم إبراهيم وكان في دعائه رافعا يديه الى صدره كاستطعام المسكين وأخبرهم أن خير الدعاء يوم عرفة وذكر من دعائه صلى الله عليه وسلم في المواقف اللهم لك الحمد كالذي نقول وخيرا مما نقول اللهم لك صلاتي و نسكي ومحياي ومماتي وإليك مآبي ولك رب تراثي اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر وشتات الأمر اللهم إني أعوذ بك من شر ما تجيء به الريح ذكره الترمذي ومما ذكر من دعائه هناك اللهم انك تسمع كلامي وترى مكاني وتعلم سري وعلانيتي ولا يخفى عليك شيء من أمري أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه أسألك مسألة المسكين وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل وأدعوك دعاء الخائف الضرير من خضعت لك رقبته وفاضت عيناه وذل جسده ورغم أنفه لك اللهم لا تجعلني بدعائك شقيا وكن بي رؤوفا رحيما يا خير المسؤولين ويا خير المعطين ذكره الطبراني وذكر أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير وأسانيد هذه الأدعية فيها لين وهناك أنزلت عليه اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا وهناك سقط رجل عن راحلته فمات فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكفن في ثوبيه ولا يمس بطيب وأن يغسله بماء وسدر ولا يغطى رأسه ولا وجهه وأخبر ان الله يبعثه يوم القيامة يلبي وفيه اثنا عشر حكما الأول وجوب غسل الميت الثاني أنه لا ينجس بالموت لأنه لو تنجس لم يزده غسله إلا نجاسة الثالث الميت يغسل بماء وسدر الرابع أن تغير الماء بالطاهرات لا يسلبه طهوريته الخامس إباحة الغسل للمحرم السادس أن المحرم غير ممنوع من الماء و السدر السابع أن الكفن مقدم على الميراث وعلى الدين لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يكفن في ثوبيه ولم يسأل عن وارثه ولا عن دين عليه الثامن جواز الاقتصار في الكفن على ثوبين التاسع أن المحرم ممنوع من الطيب العاشر أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه الحادي عشر منع المحرم من تغطية وجهه وإباحته قاله ستة من الصحابة واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء وأجابوا عن قوله لا تخمروا وجهه بأن هذه اللفظة غير محفوظة الثاني عشر بقاء الإحرام بعد الموت فلما غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث ذهبت الصفرة أفاض من عرفة وأردف أسامة بن زيد خلفة وأفاض بالسكينة وضم اليه زمام ناقته حتى إن رأسها ليضرب طرف رجليه وهو يقول أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع أي بالإسراع و أفاض من طريق المأزمين ودخل عرفة من طريق ضب وهكذا كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه في الأعياد أن يخالف بين الطريق ثم جعل يسير العنق وهو ضرب من المسير ليس بالسريع ولا البطيء فإذا وجد فجوة وهو المتسع نص سيره أي رفعه فوق ذلك وكلما أتى ربوة من الربى أرخى للناقة زمامها قليلا حتى تصعد وكان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية فلما كان في أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوءا خفيفا فقال له أسامة الصلاة يا رسول الله قال المصلى أمامك ثم أتى مزدلفة فتوضأ وضوء الصلاة ثم أمر بالأذان فأذن المؤذن ثم أقام فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال فلما حطوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة ثم صلى العشاء بإقامة بلا أذان ولم يصل بينهما شيئا ثم نام حتى يصبح ولم يحي تلك الليلة ولا صح عنه في إحياء ليلتي العيدين شيء وأمر تلك الليلة بضعفه أهله أن يتقدموا إلى منى قبل طلوع الفجر وكان عند غيبوبة القمر وأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس وأما الحديث الذي فيه أن أم سلمة رمت قبل الفجر فحديث منكر أنكره احمد وغيره ثم ذكر حديث سودة وأحاديث غيره ثم قال ثم تأملنا فإذا انه لا تعارض بين هذه الأحاديث فإنه أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من المزاحمة وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس لعذر من مرض أو كبر وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك والذي دلت عليه السنة إنما هو التعجيل بعد غيبوبة القمر لا نصف الليل وليس مع من حده دليل فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت لا قبله قطعا بأذان وإقامة ثم ركب حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فاستقبل القبلة وأخذ في الدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والذكر حتى أسفر جدا ووقف صلى الله عليه وسلم في موقفه وأعلم الناس أن مزدلفة كلها موقف ثم سار مردفا للفضل وهو يلبي في مسيره وانطلق أسامة على رجليه في سباق قريش وفي طريقه ذلك أمر ابن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات ولم يكسرها من الجبل تلك الليلة كما يفعله من لا علم عنده ولا التقطها بالليل فالتقط له سبعا من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه ويقول أمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في هذه المواضع التي نزل بها بأس الله بأعدائه فإن هناك أصاب أصحاب الفيل ماقص الله ولذلك سمي وادي محسر لأن الفيل حسر فيه أي أعيى وانقطع عن الذهاب الى مكة وكذلك فعل في سلوكه الحجر ومحسر برزخ بين منى ومزدلفة والمشعر الحرام لا من هذه ولا من هذه وعرفة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام ليس منهما فمنى من الحرم وهي مشعر ومحسر من الحرم وليس بمشعر ومزدلفة حرم ومشعر وعرنة ليست مشعر وهي من الحل وعرفة حل ومشعر وسلك الطريق الوسطى بين الطريقين وهي التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى منى فأتى جمرة العقبة فوقف في أسفل الوادي وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه واستقبل الجمرة وهو على راحلته فرماها راكبا بعد طلوع الشمس واحدة بعد واحدة يكبر مع كل حصاة وحينئذ قطع التلبية و بلال و أسامة معه أحدهما آخذ بخطام ناقته والآخر يظله بثوبه من الحر وفيه جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه.
فصل ثم رجع الى منى فخطب خطبة بليغة
ثم رجع الى منى فخطب خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وتحريمه وفضله وحرمة مكة على جميع البلاد وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه وقال لعلي لا أحج بعد عامي هذا وعلمهم مناسكهم وأنزل المهاجرين والأنصار منازلهم وأمر الناس أن لا يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض وأمر بالتبليغ عنه وأخبر أنه رب مبلغ أوعى من سامع وقال في خطبته لايجني جان إلا على نفسه وأنزل المهاجرين عن يمين القبلة والأنصار عن يسارها والناس حولهم وفتح الله له أسماع الناس حتى سمعه أهل منى في منازلهم وقال في خطبته تلك اعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم وودع حينئذ الناس فقالوا حجة الوداع ثم انصرف الى المنحر بمنى فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده وكان ينحرها قائمة معقولة يدها اليسرى وكان عددها عدد سني عمره ثم أمسك وأمر عليا أن ينحر ما بقي من المائة ثم أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها ولحومها في المساكين وأمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها وقال نحن نعطيه من عندنا وقال من شاء اقتطع فإن قيل ففي الصحيحين عن أنس في حجه ونحر صلى الله عليه وسلم بيده سبع بدن قياما قيل يتخرج على أحد وجوه ثلاث أحدها أنه لم ينحر بيده أكثر من سبع وأنه أمر من نحر إلى تمام ثلاثة وستين ثم زال عن ذلك المكان وأمر عليا فنحر ما بقي الثاني أن يكون أنس لم يشاهد إلا السبع وشاهد جابر تمام النحر الثالث أنه نحر بيده مفردا سبعا ثم أخذ هو وعلي الحربة معا فنحر كذلك تمام ثلاث وستين كما قال غرفة بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ قد أخذ بأعلى الحربة وأمر عليا فأخذ بأسفلها ونحرا بها البدن ثم انفرد علي بنحر الباقي من المائة كما قال جابر والله اعلم ولم ينقل أحد أنه صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه جمعوا بين الهدي والأضحية بل كان هديهم ضحاياهم فهو هدي بمنى وأضحية بغيرها وأما قول عائشة ضحى عن نسائه بالبقر فهو هدي أطلق عليه اسم الأضحية فإنهن كن متمتعات وعليهن الهدي وهو نحره عنهن لكن في قصة نحر البقرة عنهن وهن تسع إشكال وهو إجزاء البقرة عن أكثر من سبعة وهذا الحديث جاء بثلاثة ألفاظ أحدها بقرة واحدة بينهن الثاني أنه ضحى عنهن يومئذ بالبقرة الثالث دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت ما هذا قيل ذبح رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أزواجه وقد اختلف في عدد من تجزئ عنهم البدنة والبقرة فقيل سبعة وقيل عشرة وهو قول إسحاق ثم ذكر الأحاديث ثم قال وهذه الأحاديث تخرج على أحد وجوه ثلاثة إما أن يقال أحاديث السبعة أكثر وأصح وإما أن يقال عدل البعير بعشرة من الغنم في الغنائم لأجل تعديل القسمة وأما كونه عن سبعة في الهدايا والضحايا فهو تقدير شرعي وإما أن يقال ذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والإبل والله اعلم ونحر صلى الله عليه وسلم بمنحره بمنى وأعلمهم أن منى كلها منحر وأن فجاج مكة طريق ومنحر وفيه دليل على أن النحر لا يختص بمنى بل حيث نحر من فجاج مكة أجزأه لقوله وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف وسئل أن يبني له بمنى مظلة من الحر فقال لامنى مناخ من سبق وفيه دليل على اشتراك المسلمين فيها وأن من سبق إلى مكان فهو أحق به حتى يرتحل عنه ولا يملك بذلك فلما أكمل نحره استدعى بالحلاق فحلق رأسه وقال يا معمر أمكنك رسول الله من شحمة أذنه وفي يدك الموسى فقال أما والله يا رسول الله إن ذلك لمن نعمة الله علي ومنه قال أجل إذن أقر لك ذكره احمد وقال له خذ وأشار إلى جانبه الأيمن فلما فرغ منه قسم شعره بين من يليه ثم أشار إليه فحلق الأيسر ثم قال هاهنا أبو طلحة فدفعه اليه ودعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا وللمقصرين مرة وهو دليل على أن الحلق نسك ليس بإطلاق محصور.
فصل ثم أفاض الى مكة قبل الظهر
ثم أفاض الى مكة قبل الظهر راكبا فطاف طواف الإفاضة ولم يطف غيره ولم يسع معه هذا هو الصواب ولم يرمل فيه ولا في طواف الوداع وإنما رمل في طواف القدوم ثم أتى زمزم وهم يسقون فقال لولا أن يغلبكم الناس لنزلت فسقيت معكم ثم ناولوه الدلو فشرب وهو قائم قيل لأن النهي عن الشرب قائما على وجه الاختيار وقيل للحاجة وهو أظهر وفي الصحيح عن ابن عباس طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على بعيره يستلم الركن بمحجنه وفيه مثله من حديث جابر وفيه لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشوه وهذا ليس بطواف الوداع فإنه طاف ليلا ولا طواف القدوم لأنه رمل فيه ولم يقل أحد رملت به راحلته ثم رجع الى منى واختلف هل صلى الظهر بها أو بمكة وطافت عائشة في ذلك اليوم طوافا واحدا وسعت سعيا واحدا أجزأها عن حجها وعمرتها وطافت صفية ذلك اليوم ثم حاضت فأجزأها ذلك عن طواف الوداع فاستقرت سنته صلى الله عليه وسلم إذا حاضت المرأة قبل الطواف أن تقرن وتكتفي بطواف واحد وسعي واحد وإن حاضت بعد طواف الإفاضة أجزأها عن طواف الوداع ثم رجع الى منى من يومه ذلك فبات بها فلما اصبح انتظر زوال الشمس فلما زالت مشى الى الجمرة ولم يركب فبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف فرماها بسبع حصيات واحدة بعد واحدة يقول مع كل حصاة الله أكبر ثم تقدم عن الجمرة أمامها حتى استهل فقام مستقبل القبلة ثم رفع يديه ودعا طويلا بقدر سورة البقرة ثم أتى الوسطى فرماها كذلك ثم انحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو قريبا من وقوفه الأول ثم أتى جمرة العقبة فاستبطن الوادي وجعل البيت عن يساره فرماها بسبع حصيات كذلك ثم رجع ولم يبق عندها فقيل لضيق المكان وقيل وهو أصح إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها فلما رمى جمرة العقبة فرغ الرمي والدعاء في صلب العبادة افضل ولم يزل في نفسي هل كان يرمي قبل الصلاة أو بعدها والذي يغلب على الظن أنه قبلها لأن جابرا وغيره قالوا كان يرمي إذا زالت الشمس.
فصل قد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم
قد تضمنت حجته صلى الله عليه وسلم ست وقفات للدعاء على الصفا وعلى المروة وبعرفة وبمزدلفة وعند الجمرة الأولى وعند الجمرة الثانية وخطب بمنى خطبتين يوم النحر وتقدمت والثانية في وسط أيام التشريق واستأذنه العباس أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له واستأذنه رعاء الإبل في البيتوتة خارج منى عند الإبل فأرخص لهم أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعده يرمونه في أحدهما قال مالك ظننت أنه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر وقال ابن عيينه في هذا الحديث رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما فيجوز للطائفتين بالسنة ترك المبيت بمنى وأما الرمي فإنهم لا يتركونه بل لهم أن يؤخروه الى الليل ولهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم ومن له مال يخاف ضياعه أو مريض يخاف من تخلفه عنه أو كان مريضا لا يمكنه البتوته سقطت عنه بتنبيه النص على هؤلاء ولم يتعجل في يومين بل تأخر حتى أكمل الرمي في الأيام الثلاثة و أفاض يوم الثلاثاء بعد الظهر الى المحصب وهو الأبطح وهو خيف بني كنانة فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك وكان على ثقله توفيقا من الله عز وجل دون أن يأمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة ثم نهض الى مكة فطاف للوداع ليلا سحرا ورغبت اليه عائشة تلك الليلة أن يعمرها عمرة مفردة فأخبرها أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد أجزأها عن حجها وعمرتها فأبت إلا أن تعتمر عمرة مفردة فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم ففرغت من عمرتها ليلا ثم وافت المحصب مع أخيها في جوف الليل فقال فرغتما قالت نعم فنادى بالرحيل فارتحل الناس وفي حديث الأسود في الصحيح عنها فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها ففيه أنهما تلاقيا وفي الأول أنه انتظرها في منزله فإن كان حديث الأسود محفوظا فصوابه لقيني وأنا مصعدة من مكة وهو منهبط اليها فإنها قضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده فوافته وقد أخذ في الهبوط الى مكة للوداع وله وجه غير هذا واختلف في التحصيب هل هو سنة أو منزل اتفاق على قولين.
فصل ويرى كثير من الناس
ويرى كثير من الناس أن دخول البيت من سنن الحج إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم والذي تدل عليه سنته أنه لم يدخله في حجة ولا في عمرة وإنما دخله عام الفتح وكذلك الوقوف في الملتزم الذي روي عنه أنه فعله يوم الفتح وأما ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه وضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه وبسطهما وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله فهذا يحتمل أن يكون وقت الوداع وأن يكون في غيره ولكن قال مجاهد وغيره يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع وكان ابن عباس يلتزم ما بين الركن والباب وفي صحيح البخاري انه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج ولم تكن أم سلمة طافت بالبيت وهي شاكية وأرادت الخروج فقال لها إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلته ولم تصل حتى خرجت وهذا محال أن يكون يوم النحر فهو طواف الوداع بلا ريب فظهر أنه صلى الصبح يومئذ بمكة وسمعته أم سلمة يقرأ ب الطور ثم ارتحل راجعا الى المدينة فلما كان بالروحاء لقي ركبا فسلم عليهم وقال من القوم فقالوا المسلمون قالوا فمن القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعت له امرأة صبيا لها من محفة فقالت يا رسول الله ألهذا حج قال نعم ولك أجر فلما أتى ذا الحليفة بات بها فلما رأى المدينة كبر ثلاث مرات وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دخلها نهارا من طريق المعرس وخرج من طريق الشجرة
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة
هديه صلى الله عليه وسلم في الهدايا والضحايا والعقيقة وهي مختصة بالأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام وهذا مأخوذ من القرآن من أربع آيات (أحلت لكم بهيمة الأنعام) الثانية (ليذكروا اسم الله على مارزقهم الله من بهيمة الأنعام) الثالثة (ومن الأنعام حمولة وفرشا) الآية والتي تليها الرابعة قوله (هديا بالغ الكعبة) فدل على أن الذي يبلغ الكعبة من الهدي هو هذه الأزواج الثمانية وهذا استنباط علي ابن أبي طالب رضي الله عنه والذبائح التي هي عبادة ثلاث الهدي والأضحية والعقيقة فأهدى صلى الله عليه وسلم الغنم وأهدى الإبل وأهدى عن نسائه البقر والهدي في مقامه وفي حجته وفي عمرته وكانت سنته تقليد الغنم دون إشعارها وإذا بعث بهديه وهو مقيم لم يحرم منه شيئا كان منه حلالا وإذا أهدى الإبل قلدها وأشعرها فيشق صفحة سنامها الأيمن يسيرا حتى يسيل الدم وإذا بعث بهدي أمر رسوله إذا أشرف على عطب شيء منه أن ينحر ثم يصبغ نعله في دمه ثم يجعله على صفحته ولا يأكل منه ولا أحد من رفقته ثم يقسم لحمه ومنعه من هذا الأكل سدا للذريعة لئلا يقصر في حفظه وشرك بين أصحابه في الهدي البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة وأباح لسائق الهدي ركوبه بالمعروف إذا احتاج حتى يجد غيره وقال علي يشرب من لبنها ما فضل عن ولدها وكان هديه ينحر الإبل قياما معقولة يدها اليسرى وكان يسمي الله عند نحره ويكبر وكان يذبح نسكه بيده وربما وكل في بعضه وكان إذا ذبح الغنم وضع قدماه على صفاحها ثم سمى وكبر ونحر وأباح لأمته أن يأكلوا من هداياهم وضحاياهم ويتزودوا منها ونهاهم أن يدخروا منها بعد ثلاث لدافة دفت عليهم ذلك العام وربما قسم لحم الهدي وربما قال من شاء اقتطع واستدل به على جواز النهبة في النثار في العرس ونحوه وفرق بينهما بما لا يتبين وكان هديه ذبح هدي العمرة عند المروة وهدي القرآن بمنى ولم ينحر هديه قط إلا بعد أن حل ولم ينحره أيضا إلا بعد طلوع الشمس وبعد الرمي فهذه أربعة أمور مرتبة يوم النحر أولها الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف ولم يرخص في النحر قبل طلوع الشمس البتة.
فصل فى هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي
وأما هديه صلى الله عليه وسلم في الأضاحي فإنه لم يكن يدع الأضحية وكان يضحي بكبشين ينحرهما بعد الصلاة وأخبر أن من ذبح قبلها فليس من النسك في شئ وإنما هو لحم قدمه لأهله هذا الذي ندين الله به لا الاعتبار بوقت الصلاة وأمرهم أن يذبحوا الجذع من الضأن والثني مما سواه وروي عنه أنه قال كل أيام التشريق ذبح ولكنه منقطع وهو مذهب عطاء والحسن والشافعي واختاره ابن المنذر وكان من هديه اختيار الأضحية واستحسانها وسلامتها من العيوب ونهى عن أن يضحى بعضباء الأذن والقرن أي مقطوع الأذن ومكسور القرن النصف فما زاد ذكره أبو داود وأمر أن تستشرف العين والأذن أي ينظر الى سلامتها ولا يضحى بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء والمقابلة التي قطع مقدم أذنها والمدابرة التي قطع مؤخر أذنها والشرقاء التي شقت أذنها والخرقاء التي خرقت أذنها ذكره أبو داود وكان من هديه أن يضحي بالمصلى وذكر أبو داود عن جابر أنه ذبح يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوئين فلما وجههما قال وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين إن صلاتي و نسكي و محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اللهم منك ولك عن محمد وأمته بسم الله والله اكبر ثم ذبح وأمر الناس إذا ذبحوا أن يحسنوا الذبح وإذا قتلوا أن يحسنوا القتل وقال إن الله كتب الإحسان على كل شيء ومن هديه أن الشاة تجزئ عن الرجل وعن أهل بيته.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في العقيقة
في الموطأ أنه سئل عنها فقال لا أحب العقوق كأنه كره الاسم وصح عنه من حديث عائشة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة وقال كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه ويسمى والرهن في اللغة الحبس قيل محبوسا عن الشفاعة لأبويه والظاهر أنه مرتهن في نفسه محبوس من خير يراد به ولا يلزم منه أن يعاقب في الآخرة وقد يفوت الولد خير بسبب تفريط الأبوين كترك التسمية عند الجماع وذكر أبو داود في المراسيل عن جعفر ابن محمد عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في عقيقة الحسن والحسين أن يبعثوا الى بيت القابلة برجل وكلوا وأطعموا ولا تكسروا منها عظما قال الميموني تذاكرنا لكم يسمى الصبي فقال أبو عبد الله يروى عن أنس أنه يسمى لثلاثة وأما سمرة فقال يسمى اليوم السابع.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم