بّسم الله الرّحمن الرّحيم
مكتبة العلوم الشرعية
مختصر زاد المعاد
الجزء الأول من مغازيه صلى الله عليه وسلم


فصل في سياق مغازيه
وأول لواء عقده لحمزة في رمضان على سبعة اشهر من الهجرة بعثه في ثلاثين من المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش جاءت من الشام فيها أبو جهل في ثلاثمئة رجل فلما التقوا حجز بينهم محدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين ثم بعث عبيدة بن الحارث في سرية الى بطن رابغ في شوال في ستين من المهاجرين فلقي أبا سفيان في مائتين فكان بينهم رمي ولم يسلوا السيوف وكان سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله وقدمها ابن إسحاق على سرية حمزة ثم بعث سعد الى الخرار على رأس تسعة أشهر في عشرين راكبا يعترضون عيرا لقريش فلما بلغوه وجدوها مرت بالأمس ثم غزا بنفسه غزوة الأبواء وهي أول غزوة غزاها بنفسه خرج في المهاجرين خاصة يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا ثم غزا أبواط في شهر ربيع في مائتين من أصحابه يعترض عيرا لقريش حتى بلغ أبواط فلم يلق كيدا فرجع ثم خرج على رأس ثلاثة عشر شهرا لطلب كرز بن جابر لما أغار على سرح المدينة حتى بلغ سفوان من ناحية بدر ففاته كرز ثم خرج على رأس ستة عشر شهرا في مائة وخمسين من المهاجرين يعترض عيرا لقريش ذاهبة الى الشام فبلغ ذا العشيرة فوجدها قد فاتته وهي التي خرج في طلبها لما رجعت من الشام فكانت وقعة بدر ثم بعث عبد الله بن جحش الى نخلة في اثني عشر رجلا من المهاجرين كل اثنين يعتقبان على بعير فوصلوا الى بطن نخلة يرصدون عيرا لقريش وأضل سعد وعتبة بن غزوان بعيرا لهما فتخلفا في طلبه ونفذوا الى بطن نخلة فمرت بهم عير لقريش فقالوا نحن في آخر يوم من رجب وإن تركناهم الليلة دخلا الحرم ثم أجمعوا على ملاقاتهم فرمي أحدهم عمرو بن الحضرمي فقتله وأسروا عثمان والحكم وأفلت نوفل وعزلوا الخمس فكان أول خمس في الإسلام فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوه واشتد إنكار قريش وزعموا أنهم وجدوا مقالا واشتد على المسلمين ذلك فأنزل الله عز وجل (يسألونك عن الشهر الحرام) الآية يقول سبحانه هذا وإن كان كبيرا فما ارتكبتموه أنتم من الكفر والصد عن سبيل الله وبيته وإخراج المسلمين الذين هم أهله منه والشرك الذي أنتم عليه والفتنة التي حصلت منكم أكبر عند الله والأكثر فسروا الفتنة هنا بالشرك وحقيقتها أنها الشرك الذي يدعو صاحبه اليه ويعاقب من لم يفتتن به ولهذا يقال لهم في النار (ذوقوا فتنتكم) قال ابن عباس تكذيبكم وحقيقته ذوقوا نهاية فتنتكم كقوله (ذوقوا ما كنتم تكسبون) ومنه قوله تعالى (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) فسرت بإحراق المؤمنين بالنار واللفظ أعم وحقيقته عذبوا المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم وأما الفتنة المضافة الى الله كقوله (فتنا بعضهم ببعض) (إن هي إلا فتنك) فهي الامتحان بالنعم والمصائب فهذه لون وفتنة المشركين لون وفتنة المؤمن في ولده وماله وجاره لون آخر والفتنة بين أهل الاسلام كأهل الجمل وصفين لون آخر وهي التي أمر فيها صلى الله عليه وسلم باعتزال الطائفتين وقد تأتي الفتنة مرادا بها المعصية كقوله تعالى (ألا في الفتنة سقطوا) أي وقعوا في فتنة النفاق وفروا اليها من فتنة بنات بني الأصفر والمقصود أنه سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل ولم يؤيس أولياءه إذا كانوا متأولين أو مقصرين تقصيرا يغفر لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات والهجرة.
فصل في خبر العير المقبلة من الشام
فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغه صلى الله عليه وسلم خبر العير المقبلة من الشام فندب للخروج اليها ولم يحتفل لها لأنه خرج مسرعا في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلا معهم فرسان على سبعين بعير يعتقبونها وبلغ الصريخ مكة فخرجوا كما قال تعالى بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال تعالى (ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد) الآية، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم استشار أصحابه فتكلم المهاجرون فأحسنوا ثم استشارهم ثانيا فتكلم المهاجرون ثم استشارهم ثالثا ففهمت الأنصار أنه يعنيهم فبادر سعد بن معاذ فتكلم بالكلام المشهور فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها الى برك الغماد لفعلنا وقال المقداد كلامه المشهور فسر صلى الله عليه وسلم بما سمع من أصحابه وقال سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين وإني قد رأيت مصارع القوم فسار الى بدر فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قام ورفع يديه واستنصر ربه واستنصر المسلمون الله واستغاثوه فأوحى الله إليه (أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين) قرئ بكسر الدال وفتحها فقيل المعنى أنهم ردف لكم وقيل يردف بعضهم بعضا لم يأتوا دفعة واحدة فإن قيل هنا ذكر ألفا وفي آل عمران بثلاثة آلاف وبخمسة قيل فيه قولان أحدهما أنه يوم أحد وهو معلق على شرط ففات وفات الإمداد والثاني يوم بدر وحجته أن السياق يدل عليه كقوله (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم) الآية الى قوله (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم به) فلما استغاثوه أمدهم بألف ثم بثلاثة ثم بخمسة وكان متابعة الإمداد أحسن موقعا وأقوى لنفوسهم وأسر لها وقال أهل القول الأول القصة في سياق أحد ودخول بدر اعتراض فذكرهم نعمته ببدر ثم عاد إلى قصة أحد وأخبر عن قول رسوله لهم (ألن يكفيكم) الآية ثم وعدهم أنهم إن صبروا واتقوا أن يمدهم بخمسة آلاف فهذا من قول رسوله والإمداد الذي ببدر من قوله تعالى وهذا بخمسة آلاف وإمداد بدر بألف وهذا معلق على شرط وذلك مطلق والقصة في سورة آل عمران هي قصة أحد مستوفاة مطولة وبدر ذكرت فيها اعتراضا وفي الأنفال قصة بدر مستوفاة مطولة فالسياق في آل عمران غير السياق في الأنفال يوضح هذا هنا أن قوله تعالى (ويأتوكم من فورهم هذا) قال مجاهد يوم أحد وهذا يستلزم أن يكون الإمداد المذكور فيه فلا يصح قوله إن الإمداد بهذا العدد كان يوم بدر والإتيان من فورهم يوم أحد ولما عزمت قريش على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك وقال (لاغالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) أن تأتيكم كنانة بشيء تكرهونه فلما تعبوا للقتال ورأى جنود الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه فقالوا إلى أين ياسراقة ألم تكن قلت إنك جار لنا فقال (إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب) وصدق في قوله (إني أرى ما لاترون) وكذب في قوله (إني أخاف الله) وقيل خاف أن يهلك معهم وهو أظهر ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه ظنوا أن الغلبة بالكثرة فقالوا غر هؤلاء دينهم فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة ولا بالعدد وأنه عزيز لا يغلب حكيم ينصر المستحق وإن كان ضعيفا وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن بدر والأسرى في شوال ثم نهض صلوات الله عليه بنفسه بعد فراغه بسبعة أيام إلى غزو بني سليم فبلغ ماء يقال له الكدر فأقام عليه ثلاثا ثم انصرف ولما رجع في المشركين الى مكة نذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء حتى يغزو رسول الله فخرج في مائتي راكب حتى بلغ طرف المدينة وبات ليلة عند سلام بن مشكم فسقاه الخمر وبطن له خبر الناس فلما أصبح قطع أصوارا من النخل وقتل رجلا من الأنصار وحليفا له فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه ففاته وطرح الكفار سويقا كثيرا يتخففون به فأخذها المسلمون فسميت غزوة السويق ثم غزا نجدا يريد غطفان فأقام هناك صفرا كله من السنة الثانية ثم انصرف ولم يلق حربا فأقام في المدينة ربيع الأول ثم خرج يريد قريشا فبلغ نجران معدنا بالحجاز فلم يلق حربا فأقام هناك ربيع الآخر وجمادى الأولى ثم انصرف ثم غزا بني قينقاع ثم قتل كعب بن الأشرف وأذن في قتل من وجد من اليهود لنقضهم العهد ومحاربتهم الله ورسوله ولما قتل الله أشراف قريش ببدر ورأس فيهم أبو سفيان جمع الجموع وأقبل بهم الى المدينة فنزل قريبا من أحد وكانت وقعة أحد المشهورة واستعرض الشباب يومئذ فرد من استصغره عن القتال منهم ابن عمر وأسامة وزيد ابن ثابت وعرابة بن أوس وأجاز من رآه مطيقا منهم سمرة بن جندب ورافع بن خديج ولهما خمسة عشر سنة فقيل أجاز من أجاز لبلوغه بالسن خمس عشرة سنة ورد من رده لصغره عن سن البلوغ وقالت طائفة أجازهم لطاقتهم ولا تأثير للبلوغ وعدمه في ذلك قالوا وفي بعض ألفاظ حديث ابن عمر فلما رآني مطيقا أجازني ثم ذكر قصة الأصيرم وكلام أبي سفيان على الجبل وهي ما روى البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال أشرف ابو سفيان قال أفي القوم محمد فقال صلى الله عليه وسلم لاتجيبوه قال أفي القوم ابن أبي قحافة فقال لاتجيبوه فقال أفي القوم ابن الخطاب فقال لاتجيبوه فقال إن هؤلاء قد قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا فلم يملك عمر نفسه فقال كذبت يا عدو الله، أبقى الله تعالى لك ما يخزيك ويسوؤك، قال أبو سفيان أعل هبل أعل هبل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا ما نقول قال قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أجيبوه قالوا مانقول قال قولوا الله مولانا ولا مولى لكم قال أبو سفيان يوم بيوم بدر والحرب سجال فأجابه عمر لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار ثم قال أبو سفيان وستجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني.
فصل في ما اشتملت عليه هذه الغزوة من الاحكام
منها أن الجهاد يلزم بالشروع فيه فمن لبس لأمته وشرع في أسبابه ليس له أن يرجع.
ومنها أنه لا يجب الخروج إذا طرق العدو في الديار ومنها أنه لا يأذن لمن لا يطيق القتال من الصبيان ومنها جواز الغزو بالنساء والاستعانة بهن في الجهاد وجواز الانغماس في العدو كما فعل أنس بن النضر وغيره وأن الامام إذا خرج صلى بهم قاعدا وصلوا وراءه قعودا وأن الدعاء بالشهادة وتمنيها ليس من المنهي عنه كما فعل ابن جحش وأن المسلم إذا قتل نفسه فهو من أهل النار كقزمان وأن الشهيد لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن في غير ثيابه إلا أن يسلبها وأنه إذا كان جنبا غسل كحنظلة وأن الشهداء يدفنون في مصارعهم لأمره برد القتلى إليها وجواز دفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد وهل دفنهم في ثيابهم استحباب أو وجوب الثاني أظهر.
ومنها أن المعذور كالأعرج يجوز له الخروج وأن المسلمين إذا قتلوا مسلما يظنونه كافرا في الجهاد فديته في بيت المال لأنه أراد أن يدي أبا حذيفة بن اليمان فامتنع حذيفة من أخذ الدية وتصدق بها على المسلمين فأما الحكم التي في هذه الوقعة فقد أشار سبحانه إلى أمهاتها في سورة آل عمران من قوله (وإذ غدوت من أهلك) إلى تمام الستين آية، فمنها تعريفهم بسوء عاقبة المعصية والفشل والتنازع ليتقوا ويحدروا من أسباب الخذلان وأن حكمة الله جرت بأن الرسل وأتباعهم يدالون مرة ويدال عليهم أخرى لكن تكون لهم العاقبة فلو انتصروا عليه دائما لم يحصل المقصود قال الله تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب) أي ماكان الله ليذركم على ماأنتم عليه من التباس المؤمنين بالمنافقين حتى يميز أهل الإيمان من أهل النفاق كما ميزهم بالمحبة يوم أحد وما كان الله ليطلعكم على الغيب الذي يميز بين هؤلاء وهؤلاء فانهم متميزون في علمه وهو سبحانه يريد أن يميزهم تمييزا مشهودا وقوله تعالى (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) استدراك لما نفاه من اطلاعهم على الغيب أي سوى الرسل فإنه يطلعهم على ما يشاء كما في سورة الجن فسعادتكم بالإيمان بالغيب الذي يطلع عليه رسله فإن آمنتم به واتقيتم كان لكم أجر عظيم.
ومنها استخراج عبودية أوليائه في السراء والضراء وفيما يحبون وفيما يكرهون فإذا ثبتوا على الطاعة فيما أحبوا وكرهوا فهم عبيده حقا وليسوا كمن يعبده على حرف.
ومنها أنه لو بسط لهم النصر دائما لكانوا كما يكونون لو بسط لهم في الرزق فهو المدبر لهم كما يليق بحكمته أنه بهم خبير بصير ومنها أنهم إذا انكسروا له استوجبوا النصر فإن خلعة النصر مع ولاية الذل كما قال تعالى (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وقال (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) الآية.
ومنها أنه هيأ لعباده منازل لا تبلغها أعملها ولا يبلغونها إلا بالبلاء فقيضت لهم بالأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائهم وامتحانهم كما وفقهم للأعمال الصالحة.
ومنها أن العافية الدائمة والنصر والغنى يورث ركونا الى العاجلة ويثبط النفوس ويعوقها عن السير الى الله فإذا أراد الله كرامة عبد قيض له من البلاء مايكون دواء لهذا.
ومنها أن الشهادة عنده من أعلى مراتب أوليائه وهو سبحانه يحب أن يتخذ من أوليائه شهداء.
ومنها انه سبحانه إذا أراد هلاك أعدائه قيض أسبابا يستوجبون بها هلاكهم ومن أعظمها بعد كفرهم بغيهم وطغيانهم ومبالغتهم وبغيهم في أذى أوليائه فيتمحص بذلك أولياؤه من ذنوبهم ويكون من أسباب محق أعدائه وذكر سبحانه ذلك في قوله (ولاتهنوا و لاتحزنوا) الى قوله (ويمحق الكافرين) فجمع بين تشجيعهم وحسن التعزية وذكر الحكم التي اقتضت إدالة الله الكفار عليهم فقال إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله أي مابالكم تحزنون وتهنون عند هذا وقد مسهم مثله في سبيل الشيطان ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس وأنها عرض حاضر يقسمها دولا بين أوليائ هو أعدائه بخلاف الآخرة ثم ذكر حكمة أخرى وهي تمييز المؤمن من المنافق فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبة لأن العلم الغيبي لايترتب عليه ثواب ولا غذاب ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه منهم شهداء وقوله (والله لايحب الظالمين) تنبيه لطيف على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يحبهم ثم ذكر حكمة أخرى وهي تمحيص المؤمنين من الذنوب وأيضا من المنافقين ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بدون الجهاد فقال تعالى (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) أي ولما يقع ذلك منكم فيكون الجزاء على الواقع المعلوم ثم وبخهم على هزيمتهم من أمر كانوا يتمنونه ويودون لقاءه فقال (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون).
ومنها أن هذه الوقعة مقدمة بين يدي موته صلى الله عليه وسلم والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة فثبتوا عليها حتى ماتوا او قتلوا فظهر أثر هذا العتاب وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل لهم العاقبة ثم أخبر أنه جعل لكل نفس أجلا ثم أخبر أن كثيرا من الأنبياء قتلوا وقتل معهم أتباع لهم كثيرون فما وهن من بقي منهم لما أصابهم في سبيل الله وماضعفوا وما استكونا بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام ثم أخبر سبحانه عما استنصر به الأنبياء وأممهم على قومهم من اعترافهم وتوبتهم واستغفارهم وسؤالهم ربهم التثبيت لاقدامهم والنصر على أعدائهم فقال (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرناوثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) لما علموا أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم وان الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها وأنها نوعان تقصير في حق أو تجاوز في حد وأن النصر منوط بالطاعة (قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) ثم علموا أنه سبحانه وتعالى إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا ثم على ذلك فسألوا ما هو بيده فوفوا المقامين حقهما مقام المقتضى وهو التوحيد والالتجاء اليه ومقام إزالة المانع من النصر وهو الذنوب والإسراف ثم حذرهم سبحانه من طاعة عدوهم الكفار والمنافقين وأنهم إن فعلوا ذلك حسروا الدارين وفيه تعريض بمن أطاعهم من المنافقين لما انتصروا يوم أحد ثم أخبر سبحانه أنه مولى المؤمنين وخير الناصرين فمن والاه فهو المنصور ثم أخبر أنه سيلقي في قلوب أعدائهم الرعب الذي يمنعهم من الهجوم عليهم وذلك بسبب الشرك وعلى قدر الشرك يكون الرعب والمؤمن الذي لم يلبس إيمانه بالشرك له الأمن والهدى ثم أخبر بصدق وعده في النصر وأنهم لو استمروا على الطاعة لاستمر النصر ولكن انخلعوا عن الطاعة ففارقتهم النصرة فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاء وتعريفا لهم بعاقبة المعصية ثم أخبر بعفوه عنهم بعد ذلك قيل للحسن كيف عفا وقد سلط عليهم أعداءهم فقال لولا عفوه لاستأصلهم ولكن بعفوه دفع عنهم عدوهم بعد أن اجمعوا على استئصالهم ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين أي جادين في الهرب أو صاعدين في الجبل لايلوون على نبيهم وأصحابهم والرسول يدعوهم في أخراهم إلي عباد الله أنا رسول الله فأثابهم بهذا الفرار غما بعد غم غم الفرار وغم صرخة الشيطان بأن محمدا قتل وقيل جازاكم غما بما غممتم رسوله بفراركم عنه والأول أظهر لوجوه الأول قوله (لكي لا تأسوا) إلى آخره تنبيه على حكمة هذا الغم بعد الغم وهو نسيانهم الحزن على مافاتهم من الظفر وما أصابهم من الهزيمة وهذا إنما يحصل بغم يعقبه غم آخر الثاني أنه مطابق للواقع فحصل لهم غم فوات الغنيمة ثم أعقبه غم الهزيمة ثم غم الجراح والقتل ثم سماع قتل النبي ثم ظهور العدو على الجبل وليس المراد غمين اثنتين خاصة بل غما متتابعا لتمام الابتلاء الثالث أن قوله (بغم) من تمام الثواب لا أنه سبب جزاء الثواب والمعنى أثابكم غما متصلا بغم جزاء على ماوقع من الهرب وإسلامهم النبي وترك الاستجابة له ومخالفته في لزوم المركز وتنازعهم وفشلهم وكل واحد يوجب غما يخصه ومن لطفه بهم أنها من موجبات الطباع التي تمنع من النصرة المستقرة فقيض لهم بلطفه أسباب أخرجها من القوة الى الفعل فترتب عليها أثارها المكروهة فعلموا أن التوبة منها والاحتراز منها ودفعها بأضدادها متعين وربما صحت الأجساد بالعلل ثم إنه سبحانه رحمهم فغيب عنهم الغم بالنعاس وهو في الحرب علامة النصر كمانزل يوم بدر وأخبر ان من لم يصبه فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه وأنهم (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) وفسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله ولا حكمة له فيه ففسر بإنكار الحكمة وبإنكار القدر وإنكار إتمام دينه وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المشركون والمنافقون في سورة الفتح وإنما كان هذا الظن ظن السوء لأنه ظن لا يليق بالله وصفاته وأسمائه وحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية وصدقه في وعده فمن ظن أنه لايتم أمر رسوله وأنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق اضمحلالا لايقوم بعده فقد ظن به ظن السوء ونسبه الى خلاف مايليق بكماله وصفاته ومن أنكر أن يكون ذلك بقدره فما عرفه ولا عرف ملكه وكذلك من أنكر الحكمة التي يستحق الحمد عليها في ذلك فزعم أنها مشيئة مجردة عن الحكمة فذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفي غيرهم ولايسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته وموجب حمده وحكمته فمن قنط من رحمته فقد ظن به ظن السوء ومن جوز عليه أنه يعذب المحسن ويسوي بينه وبين عدوه فقد ظن به ذلك ومن ظن أنه يترك خلقه سدى من الأمر والنهي فقد ظن به ظن السوء وكذلك من ظن أنه لا يثيبهم ولا يعاقبهم ولا يبين لهم ما اختلفوا فيه وكذلك من ظن انه يضيع العمل الصالح بلا سبب من العبد ويعاقبه بما لاصنع له فيه أو جوز عليه أن يؤيدأعداءه بالمعجزات التي يؤيد بها الرسل وأنه يحسن منه كل شيء حتى يخلد في النار من فني عمره في طاعته وينعم من استنفذ عمره في معصيته وكلاهما في الحسن سواء لايعرف امتناع أحدهما إلا بخبر صادق وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحسن الاخر وكذلك من ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل وترك الحق لم يخبر به وإنما رمز اليه رموزا بعيدة وصرح دائما بالتشبيه والباطل وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم في تحريف كلامه وأحالهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم لا على كتابه بل اراد منهم أن لايحملوا كلامه على مايعرفون من لغتهم مع قدرته على التصريح بالحق وإزالة الألفاظ التي توقعهم في اعتقاد الباطل وظن أنه هو وسلفه عبروا عن الحق دون الله ورسوله وأن الهدى والحق في كلامهم وأن كلام الله لايؤخذ من ظاهره إلا الضلال فهذا من أسوأ الظن بالله فكل هؤلاء من الظانين بالله ظن السوء ومن الظانين بالله غير الحق ظن الجاهلية ومن ظن أنه يكون في ملكه مالايشاء ولايقدر على إيجاده وتكوينه فقد ظن به ظن السوء ومن ظن أنه متعطل من الأزل إلى الأبد عن الفعل ولا يوصف به ثم صار قادرا عليه فقد ظن به ظن السوء ومن ظن أنه لايسمع ولا يبصر ولايعلم الموجودات فقد ظن به ظن السوء ومن ظن أنه لاإرادة له ولا كلام يقوم به ولم يكلم أحدا ولا يتكلم أبدا ولا له أمر ولا نهي يقوم به فقد ظن به ظن السوء ومن ظن أنه ليس فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه وأن الأمكنة بالنسبة إليه سواء ومن قال سبحان ربي الأسفل كم قال سبحان ربي الأعلى فقد ظن به أقبح الظن ومن ظن أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان كما يحب الطاعة فقد ظن به ظن السوء ومن ظن أنه لايحب ولا يرضى ولا يغضب ولا يوالي ولا يعادي ولا يقرب من أحد ولا يقرب منه أحد فقد ظن به ظن السوء ومن ظن انه يسوي بين المتضادين او يفرق بين المتساويين من كل وجه او يحبط طاعات العمر بكبيرة واحدة تكون بعدها فيخلد فاعلها في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة فقد ظن به ظن السوء وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله أو عطل ما وصف به نفسه فقد ظن به ظن السوء كمن ظن أن له ولدا أو شريكا أو شفيعا بغير إذنه أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه أو أن ماعنده ينال بالمعصية كما ينال بالطاعة أو ظن أنه إذا ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرامنه أو ظن أنه يعاقب بمحض المشيئة بغير سبب من العبد أو ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة أنه لايجيبه أو ظن أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا في حياته ومماته وأنه ابتلاه بهم لايفارقونه فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيته وظلموا أهل بيته وكانت العزة لأعدائه وأعدائهم بلا ذنب لأوليائه وهو يقدر على نصرهم ثم جعل أعداءه المبدلين دينه مضاجعين له في حفرته وتسلم أمته عليه وعليهم وكل مبطل وكافر ومبتدع مقهور فهو يظن بربه هذا الظن فأكثر الخلق بل كلهم إلا ماشاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء ومن فتش نفسه رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد فأقدح من زناد من شئت ينبئك شرره عما في زناده فمستقل ومستكثر وفتش نفسك هل أنت سالم فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة وإلا فإني لا إخالك ناجيا.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع وليتب الى الله ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء والمقصود ما ساقنا الى هذا الكلام من قوله تعالى (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) ثم أخبر عن الكلام الصادر عن ظنهم الباطل وهو قولهم (هل لنا من الأمر من شيء) وقولهم (ولو كان لنا من الأمر شيء ماقتلنا هاهنا) فليس مقصودهم بهذا إثبات القدر ولو كان ذلك لم يذموا لها حسن الرد عليهم بقوله قل إن الأمر كله لله ولهذا قال غير واحد إن ظنهم هذا التكذيب بالقدر وظنهم أن الأمر لو كان إليهم لما أصابهم القتل فأكذبهم بقوله (إن الأمر كله لله) فلا يكون إلا ماسبق به قضاؤه فلو كتب القتل على من كان في بيته لخرج الى مضجعه وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية ثم أخبر تعالى عن حكمة أخرى في هذا التقدير وهي ابتلاء ما في صدورهم واختبار ما فيها من الإيمان والنفاق فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا والمنافق ومن في قلبه مرض يظهر على جوارحه ثم ذكر حكمة أخرى وهي تمحيص مافي قلوب المؤمنين وهي تنقيتها فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع وميل النفوس وحكم العادة وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة ما يضاد مافيها من الإيمان فلو كانت في عافية دائمة لم تتخلص من هذا فكانت رحمة عليهم بهذه الكسرة والهزيمة تعادل نعمته عليهم بالنصرة ثم أخبر تعالى عمن تولى من المؤمنين الصادقين وأنه بسبب ذنوبهم فاستزلهم الشيطان بتلك الأعمال فكانت أعمالهم جندا عليهم ازداد بها عدوهم قوة فإن الأعمال جند للعبد وجند عليه ففرار الإنسان من عدو يطيقه إنماهو بجند من عمله ثم أخبر انه عفا عنهم لأن هذا الفرار لم يكن عن شك وإنما كان لعارض ثم ذكر سبحانه أن هذا بأعمالهم فقال (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) الآية وذكر هذا بعينه فيما هو أعم من ذلك في السور المكية وقال (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وقال (ماأصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك) فالنعمة فضله والسيئة عدله وختم الآية بقوله (إن الله على كل شيء قدير) بعد قوله (هو من عندأنفسكم) إعلاما بعموم قدرته مع عدله ففيه إثبات القدر والسبب فأضاف السبب الى نفوسهم وعموم قدرته الى نفسه فالأول ينفي الجبر والثاني ينفي إبطال القدر فهو مشاكل قوله (لمن شاء منكم أن يستقيم وماتشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) وفي ذكر قدرته نكتة لطيفة وهي أن هذا الأمر بيده فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره وكشف هذا ووضحه بقوله (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله) وهو الإذن الكوني القدري ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير وهو أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان فتكلم المنافقون بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون وسمعوا رد الله عليهم وعرفوا مؤدى النفاق وما يؤول اليه فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة ونعمة وكم فيهامن تحذير وإرشاد ثم عزاهم عمن قتل منهم أحسن تعزية فقال (ولاتحسبن الذي قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء) الآيات فجمع لهم بين الحياة الدائمة والقرب منه وأنهم عنده وجريان الرزق المستمر عليهم وفرحهم بما آتاهم من فضله وهو فوق الرضى واستبشارهم بإخوانهم الذين باجتماعهم بهم يتم سرورهم ونعيمهم واستبشارهم بما يجدد لهم كل وقت من نعمته وكرامته وذكرهم سبحانه في هذه المحنة بما هو من أعظم نعمه عليهم التي لو قابلوا بها كل محنة تنالهم وبلية لتلاشت في جنب هذه النعمة وهي إرسال رسول من أنفسهم وكل بلية بعدهذا الخير العظيم أمر يسير حدا في جنب هذا الخير الكثير فأعلمهم أن سبب المصيبة من عند أنفسهم ليحذروا وانها بقدره ليوحدوه ويتكلوا وأخبرهم بما له فيها من الحكم لئلا يتهموه في فضله وقدره وليتعرف إليهم بأنواع أسمائه وصفاته وسلاهم بما أعطاهم مما هو اعظم خطرا مما فاتهم من النصر والغنيمة وعزاهم عن قتلاهم لينافسوهم فيه ولا يحزنوا عليهم فله الحمد كما هو أهله وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله.
فصل ولما انقضت الحرب وانكفأ المشركون
ولما انقضت الحرب وانكفأ المشركون فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة فشق ذلك فشق ذلك عليهم فقال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون فإن هم جنبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن اليهم ثم لأناجزنهم فيها قال علي فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الابل ووجهوا الى مكة ولما عزموا على الرجوع الىمكة أشرف على المسلمين أبو سفيان ثم ناداهم موعدكم الموسم ببدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا نعم ثم انصرفوا فلما كانوا ببعض الطريق تلاوموا فيما بينهم فقالوا أصبتم شوكتهم ثم تركتموهم يجمعون لكم فارجعوا نستأصلهم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى في الناس وندبهم إلى المسير وقال لايخرج معنا إلا من شهد القتال فاستجاب له المسلمون على مابهم فاستأذنه جابر لحبس أبيه إياه فأذن له فساروا حتى أتوا حمراء الأسد فقال أبو سفيان لبعض من يريد المدينة من المشركين هل لك أن تبلغ محمدا رسالة وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت مكة قال نعم قال بلغه أنا جمعنا الكرة لنستأصله وأصحابه فلما قال لهم ذلك (قالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) وكانت وقعة أحد في شوال سنة ثلاث ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة فأقام بقية السنة فلما استهل المحرم بلغه أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوان بني أسد من خزيمة الى حربه فبعث أبا سلمة ومعه مائة وخمسون فانتهوا الى ماء لبني أسد يأوي قطن بن أبي مرثد الغنوي فأصابوا إبلا وشياها ولم يلقوا كيدا فلما كان خامس المحرم بلغه أن خالد بن سفيان الهذلي قد جمع له الجموع فبعث اليه عبد الله بن أنيس فقتله فلما كان في صفر قدم عليه قوم من عضل والقارة وذكروا أن فيهم إسلاما وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم الدين فبعث ستة فيهم خبيب وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي فكان ماكان وفي هذا الشهر كانت وقعة بئر معونة وفي ربيع الأول كان غزوة بني النضير وزعم الزهري أنها كانت بعد بدر بستة أشهر وهذا وهم منه أو غلط عليه بل الذي لاشك فيه أنها بعد أحد والتي بعد بدر قينقاع وقريظة بعد الخندق وخيبر بعد الحديبية فكان له مع اليهود أربع غزوات ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ذات الرقاع في جمادي الأول وهي غزوة نجد فخرج يريد قوما من غطفان وصلى بهم يومئذ صلاة الخوف هكذا قال ابن إسحاق وجماعة من أهل السير والمغازي في تاريخ هذه الغزوة وصلاة الخوف بها وتلقاه الناس عنهم وهو مشكل جدا والظاهر أن أول صلاة صلاها للخوف بعسفان كما في حديث صححه الترمذي ولا خلاف بينهم أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق وقد صح عنه أنه صلاها بذات الرقاع فعلم أنها بعد الخندق وبعد عسفان ويؤيد هذا أن أبا هريرة وأبا موسى شهدا ذات الرقاع كما في الصحيحين فلما كان شعبان وقيل ذو القعدة من العام القابل خرج صلى الله عليه وسلم لميعاد أبي سفيان فانتهى الى بدر وأقام ينتظر المشركين وخرج أبو سفيان بالمشركين من مكة وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى إذا كانوا على مرحلة من مكة رجعوا وقالوا العام عام جدب ثم خرج صلى الله عليه وسلم في ربيع سنة خمس إلى دومة الجندل فهجم على ماشيتهم وأصاب من أصاب وهرب من هرب وجاء الخبر أهل دومة فتفرقوا ثم بعث بريدة السلمي في شعبان إلى بني المصطلق وهي غزوة المريسيع وهو مكان لماء واصطفوا للقتال وتراموا ساعة ثم أمر أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فانهزم المشركون وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء والذراري والمال وفيها سقط عقد لعائشة فاحتبسوا في طلبه فنزلت آية التيمم وذكر الطبراني في معجمه من حديث محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة في قصة العقد أن أبا بكر قال يابنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء فأنزل الله عز وجل آية التيمم وهذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة وهو الظاهر ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه فاشتبه على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى وأما قصة الإفك فهي في هذه الغزوة الى أن قال فأشار علي بفراقها تلويحا لا تصريحا لما رأى أن ماقيل مشكوك فيه فأشار بترك الشك والريبة الى اليقين ليتخلص رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغم الذي لحقه من كلام الناس وأشار أسامة بإمساكها لما علم من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولأبيها ولما علم من عفتها وديانتها وأن الله لايجعل حبيبة نبيه وبنت صديقه بالمنزلة التي أنزلها به أهل الإفك ومن قويت معرفته لله ومعرفته لرسول وقدره عند الله في قلبه قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة لما سمعوا ذلك (سبحانك هذا بهتان عظيم) وتأمل ما في تسبيحهم في ذلك المقام من المعرفة بالله وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله امرأة خبيثة فإن قيل فما باله صلى الله عليه وسلم توقف في أمرها وسأل قيل هذامن تمام الحكم الباهرة التي جعل الله هذه القصة سببا لها وامتحانا وابتلاء لرسوله ولجميع الأمة الى يوم القيامة ليرفع بها أقواما ويضع بها آخرين واقتضى تمام الامتحان بأن حبس الوحي عن نبيه شهرا ليظهر حكمته ويظهر كمال الوجود ويزداد الصادقون إيمانا وثباتا على العدل وحسن الظن ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا وتظهر سرائرهم ولتتم العبودية المرادة منها ومن أبويها وتتم نعمة الله عليهم ولتشتد الفاقة منهم الى الله والذل له والرجاء له ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ولهذا وفت هذا المقام حقه لما قال لها أبواها قومي إليه وقد أنزل الله عليه براءتها فقالت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي ولوأطلع الله رسوله على الفور لفاتت هذه الأمور والحكم وأضعافها وأضعاف أضعافها وأيضا فإن الله أحب ان تظهر منزلة رسوله عنده وأهل بيته وأن يتولى بنفسه الدفاع والرد على الأعداء وذمهم وعيبهم بأمر لايكون لرسول فيه عمل وأيضا فأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى والتي رميت زوجته فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها مع علمه أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ولم يظن بها سوءا قط وكان عنده من القارائن أكثر مما عند المؤمنين ولكن لكمال صبره وثباته ورفقه وفي مقام الصبر حقه ولما جاء الوحي ببراءتها حد من صرح بالإفك إلا ابن أبي مع أنه رأس الإفك فقيل لأن الحدود كفارة وهذا ليس كذلك وقد وعد بالعذاب الأليم فيكفيه ذلك عن الحد وقيل الحد لايثبت إلا بالاقرار أو ببينة وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه ولم يكن يذكره بين المؤمنين وقيل حد القذف حق الادمي لايستوفى إلا بمطالبة وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي وقيل تركه لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وهي تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الاسلام فإنه كان مطاعا فيهم رئيسا عليهم فلم يؤمن إثارة الفتنة في حده ولعله تركه لهذه الوجوه كلها وفي مرجعهم من هذه الغزوة قال رأس المنافقين أبن أبي لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فبلغها زيد ابن أرقم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء ابن أبي يعتذر ويحلف ماقال فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تصديق زيد في سورة المنافقين فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأذنه فقال أبشر فقد صدقك الله ثم قال هذا الذي وفى الله بأذنه فقال له عمر يارسول الله مر عباد بن بشر أن يضرب عنقه فقال فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.


مختصر زاد المعاد لمحمد بن عبد الوهاب
منتدى ميراث الرسول
صلى الله عليه وسلم