بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
عقلاء المجانين للنيسابوري
ضروب المجانين والمجنونً بلا حقيقة

أويس القرني رضى الله عنه
أويس القرني رضى الله عنه ، هو أول من نسب إلى الجنون في الإسلام والمعروف من حديثه ما وجدته في كتاب جدي سعيد بن المسيب رحمه الله ورضي عنه قال:
نادى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو على المنبر بمنى: يا أهل قرن، فقام مشايخ فقالوا ها نحن يا أمير المؤمنين فقال رضي الله عنه أفي قرن من اسمه اويس ، فقال شيخ: يا أمير المؤمنين ليس فينا من اسمه اويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال لا يألف ولا يؤلف قال رضي الله عنه ذاك الذي أعنيه إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي وقولوا له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرني بك وأمرني أن أقرأ عليك سلامه. قال: فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه في الرمال فابلغوه سلام عمر رضي عنه وسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي، السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وهام على وجهه فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهراً، ثم عاد على أيام علي رضي الله عنه مقاتلاً بين يديه، وقتل مستشهداً في صفين امامه، فنظروا فإذا عليه نيف وأربعون جراحة وطعنة وضربة ورمية.
هرم بن حيان قال: قدمت الكوفة ولم يكن لي هم إلا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه وحتى وجدته قاعداً على شاطئ الفرات يغسل يديه ورجليه عليه ازار من صوف ورداء من صوف، كريه الوجه، مهيب المنظر جداً، وكان لحيماً آدم اللون شديد الأدمة كث اللحية، فسلمت عليه فرد علي وقال حياك الله من رجل ومددت إليه يدي لا صافحه، فأبى أن يصافحني فقلت وأنت فحياك الله، كيف أنت يا أويس رحمك الله ، ثم سبقتني العبرة من حبي ورقتي له إذ رأيت من حاله ما رأيت حتى بكيت وبكى وقال: وأنت فرحمك الله يا هرم بن حيان، كيف أنت يا أخي ، ومن دلك علي ، فقلت: الله، فقال لا إله إلا الله سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا، فتعجبت حين سماني وعرفني ولا والله ما رأيته قط ولا رآني فقلت من أين عرفتني وعرفت اسمي واسم أبي فوالله ما رأيتك قط قبل اليوم ، فقال نبأني العليم الخبير عرفت روحي روحك حين كلمت نفسي نفسك إن الأرواح لها أنفس كأنفس الأحياء وإن المؤمنين ليعرف بعضهم بعضاً ويتحابون بروح الله وإن لم يلتقوا ويتعارفون ويتكلمون وإن نأت بهم الديار وتفرقت بهم المنازل، فقلت حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث أحفظه عنك، فقال إني أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لي معه صحبة ولكني صحبت رجالاً رأوه وبلغني كبعض ما بلغكم ولا أريد أن أفتح هذا الباب، واحتج، فقلت له اقرأ علي آيات من كتاب الله تعالى وأوصني وصية فأحفظها، فقام وأخذ بيدي وقال (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم) وشهق شهقة ثم بكى فقال: قال ربي، وأحق القول قول ربي وأصدق الحديث حديثه وأحسن الكلام كلامه: (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين) حتى بلغ إلى قوله تعالى (إنه هو العزيز الرحيم) ثم شهق شهقة ثم سكت، فنظرت إليه وأنا أحسبه قد غشى عليه، ثم قال: يا هرم بن حيان مات أبوك وبشرك أن تموت يا ابن حيان فأما إلى الجنة وأما إلى النار، مات أبواك آدم وحواء ومات نوح، ومات إبراهيم خليل الرحمن يا ابن حيان ومات موسى كليم الرحمن، يا ابن حيان ومات داود خليفة المسلمين، ومات أخي وصديقي وضيفي عمر بن الخطاب، ثم قال: واعمراه رحم الله عمر وعمر يومئذ حي قال هرم فقلت إن عمر لم يمت بعد قال قد نعاه إلي ربك إن كنت تفهم قد علمت ما قلت وأنا وأنت في القرى ، وكان قد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بدعوات خفيات ثم قال هذه وصيتي: عليك يا ابن حيان بكتاب الله وبقايا الصالحين من المسلمين نعيت لك نفسي ونفسك فعليك بذكر الله وذكر الموت فلا يفارقان قلبك طرفة عين ما بقيت، وانصح لأهل ملتك جميعاً، وإياك وأن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار، ثم قال: إلهي إن هذا يزعم أنه يحبني فيك وزارني من أجلك، واللهم عرفني وجهه في الجنة واحفظه في الدنيا حيث ما كان وارضه من الدنيا باليسير وما أعطيته من الدنيا فيسره له واجعله بما تعطيه من نعمتك من الشاكرين واجزه عني خير الجزاء، أستودعك الله يا هرم بن حيان والسلام عليك ورحمة الله لا أراك بعد اليوم رحمك الله فإني أكره الشهرة وأحب الوحدة ولا تطلبني واعلم انك مني على بال وإن لم أرك ولم ترني فاذكرني وادع لي فإني سأذكرك وأدعو لك إن شاء الله تعالى. وفارقني يبكي وأبكي، فجعلت انظر في قفاه حتى دخل في بعض السكك فكم طلبته بعد ذلك وسألت عنه فما وجدت من يخبرني خبره.
الربيع بن خيثم قال: أتيت أويس القرني فوجدته جالساً قد صلى الفجر فقلت لا اشغله عن التسبيح، فمكث مكانه، ثم قام إلى الصلاة حتى صلى الظهر، ثم قام إلى الصلاة حتى صلى العصر، ثم هكذا حتى صلى المغرب، فقلت في نفسي لا بد من أن يرجع ليفطر، فثبت مكانه حتى صلى العشاء الأخيرة، فقلت لعله يفطر بعد العشاء، فثبت مكانه حتى صلى الفجر ثم جلس فغلبته عيناه فانتبه وقال: اللهم إني أعوذ بك من عين نوامة ومن بطن لا يشبع، فقلت حسبي ما عاينت ورجعت.
قتادة عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة أكثر من ربيعة ومضر، أما اسمي لكم ذلك الرجل ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: ذلك أويس القرني، ثم قال يا عمر إن أدركته فاقرئه مني السلام وقل له حتى يدعو لك واعلم إنه كان به وضح فدعا الله تعالى فرفع عنه ثم دعا الله فرد عليه بعضه. فلما كان في خلافة عمر رضي الله عنه وهو بالموسم قال ليجلس كل رجل منكم إلا من كان من قرن فجلسوا إلا رجلاً فدعاه وقال له تعرف فيكم رجلاً اسمه أويس فقال وما تريد منه فإنه رجل لا يعرف يأوي الخرابات ولا يخالط الناس، فقال اقرئه مني السلام وقل له حتى يلقاني فأبلغه الرجل رسالة عمر رضي الله عنه فقدم عليه فقال له عمر: أنت أويس ، قال: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: عهد الله ورسوله، هل كان بك وضح فدعوت الله فرفعه عنك ثم دعوته تعالى فرد عليك بعضه ، فقال: نعم، من خبرك به فوالله ما اطلع عليه غير الله ، فقال اخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأمرني أن اسألك حتى تدعو لي، وقال يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر ثم سماك، قال فدعا لعمر ثم قال: حاجتي إليك يا أمير المؤمنين أن تكتمها علي وتأذن لي بالانصراف ففعل، فلم يزل مستخفياً من الناس حتى استشهد يوم نهاوند رحمه الله.

مختصر: عقلاء المجانين للحسن بن حبيب النيسابوري